الجمعة، 12 مارس، 2010

الحلقة الثانية عشرة : الصدام و الحريقة

الصدام والحريقة
كانت الزنازين في سجن القناطر تفتح من قبل الحراس في تمام الساعة الثامنة صباحًا..... ونظل من هذه الساعة حتى السادسة مساءًا في فناء السجن وننتقل بين أدواره المختلفة....
لقد كانت العلاقة حميمة بيننا وبين المسجونين الجنائيين بالسجن.... من خلال المعاملة الطيبة لهم.... ومن خلال توزيع الأدوية عليهم من قبل لجنة الإعاشة....... حيث كانت مستشفى السجن لا تقدم أي رعاية طيبة لهم، ومن خلال معارف شخصية وعائلية أوصى على أخي فؤاد خليل أحد ضباط السجن برتبه نقيب يدعي النقيب عصام، وكان الضابط يتعامل معي بود...
بعد عدة أيام من مظاهرة 21 مارس بالجامعة ومعرض السجن بالجامعة..... فوجئنا في أحد الأيام بعدم فتح الزنازين كالمعتاد في الثامنة صباحًا...... أوهمونا في البداية أنه توجد حملة تفتيش مفاجئة على السجن وستفتح الزنازين بعد ساعة ثم بعد ساعة أخرى وهكذا...... وظللنا حتى الواحدة أو الثانية ظهرا داخل الزنازين بلا دورات مياه ولا مياه، ودون زيارات..... فقد تم منع الزيارات.... حيث إننا قمنا بترتيب جدول الزيارات على الأهالي وكان يوميا يحضر أكثر من 5 أو ستة زيارات من أهالي الطلاب..... أخذنا نطرق على الأبواب دون جدوى... قفلت جميع الزنازين على السياسيين والجنائيين .....فرق من العساكر وقوات الأمن المسلحة بالكرابيج والعصي بدأت تدخل عنبر السجن..... صعدت إلى الشباك فوق باب الزنزانة أخذت أهتف شعارات حركة الطلاب والزنازين تردد..... جاء النقيب عصام وفتح باب الزنزانة... كنت بداخلها أنا وأربعة من الزملاء... قال لي:
أخرج خارج الزنزانة..... خرجت وجدت نفسي محاطًا بما لا يقل عن 40 عسكري من جميع الجهات... قال لي النقيب عصام:
" "مش تحترم نفسك"...... أستدار إلى الخلف ثم إلى الأمام..... وصفعني بشدة وبقوة على وجهي بالقلم.... كنت حافي القدمين وأرتدي بيجامة من الكستور......
دفاعًا عن نفسي ففي آخر منطقة شاهدته فيها ركلته بقدمي..... ولا أعرف إن كانت هذه الركلة قد جاءت فيه أم لا... حيث أن صفعة القلم كانت قوية. وما كنتش شايف أي حاجة قدامي..... ولم أحس إلا بجسدي يجر على أرضية العنبر وبلاطه وتنال على جسدي الصفعات والشلاليت والعصي والكرابيج..... وقد شلحوا سترة البيجاما عن جسدي.... وكانت علقة ساخنة......
وسمعت صوت الكلب النقيب عصام:
خدوه على عنبر التأديب...... وأخذوني على عنبر التأديب .......
"أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي... وقفت في وجه ضلامي يتيمًا عاريًا حافي".......
والقوني داخل أحد الزنازين على الأرض..... كان مغشيًا عليّ من شدة الضرب... أخذت استجمع قواي وأمسح الدم من على بعض الجروح واتحسس وجهي من ضربة القلم.....
بعد أخذي على التأديب.... شكلوا طوابير وتشريفة طويلة من عنبر السجن حتى عنبر التأديب... وكان الطابور يتشكل من صفين متوازيين... المسافة بينهما متر واحد...... ويقف العساكر مسلحين بالكرابيج والعصي متراصين إلى جوار بعضهم...... بحيث يسير المعتقل بين الصفين وينهال عليه الضرب من الجانبين......
فتحوا أول زنزانة وسار أفرادها يضربونه بين طابورى التشريفة...... "مسافة حوالى 400 متر"......
وبعد أن رأت الزنزانة المجاورة ما يحدث للزنزانة السابقة... قام أفراد كل زنزانة بالضغط على الباب وعدم تمكين العساكر من فتح باب الزنزانة حيث أن باب الزنازنة كان يفتح إلى الداخل... ولما عجزت قوات الأمن عن فتح باب الزنازين..... قاموا بإحضار خراطيم المطافيء الضخمة...... وأطلقت المياه من باشبوري كل خرطوم نحو الزنازين..... خرطوم يطلق المياه من الشباك فوق باب الزنزانة....... وخرطوم آخر يطلق المياه من الشباك الآخر الذي يطل على فناء السجن.......
خلال دقائق قليلة تغرق الزنزانة بالمياه....... ويضطر الطلاب بداخلها للخروج خارج الزنزانة........... ويجبروا بالضرب والمطاردة على الدخول على مصيدة طابور التشريفة وملابسهم مبتلة.... وكان الجو شتويًا حيث كانت هذه المعركة حوالي يوم 25 مارس 1973 تقريبًا..... ضرب وعصي مع رجفة من الرش بالمياه وبرودة الجو، هكذا تم سحل السبعون طالبًا داخل سجن القناطر...
ودائمًا لكل معركة أبطالها... وبطل هذه المعركة هو الطالب:
جلال مقلد "محافظة كفر الشيخ".....
خرج جلال من زنزانته مستسلمًا....... صارخا:
أنا مليش دعوة باللي بيحلص لزز "وبعد تلقيه عصا والثانية توجه ناحية النقيب عصام قائلاً: "أنا حرمت خلاص أنا ماليش دعوة باللي بيحصل........ صرخ ضابط في عساكره قائلاً لهم:
سيبوه لا تضربوه أجلس هنا على جنب......
هنا أدرك جلال مقلد أن خطته قد نجحت.... لأنه خرج من الزنزانة مصممًا على الخديعة والإنتقام لزملائه... فجلس قرفصاء على الأرض يتحين اللحظة المناسبة.....
وفي لمح البصر..... جرى جلال مقلد وركل قدمي الضابط عصام من الخف بمشط رجله..... وكان الضابط يرتدي الحذاء الميري والأرض غارقة بالمياه...... فترنج الضابط متزحلقًا نازلا بكامل جسده على أرضية العنبر..... بعد أن طار الكاب من فوق رأسه.... وكان منظره مخزيًا وسط جنوده والذين أنهالوا على جلال مقلد بالضرب المبرح حتى أغمى عليه....وتركوه مغشيا عليه على الأرض.....وأستداروا ليكملوا الضرب فى باقى الطلاب.......
أفاق جلال مقلد من غيبوبته فقام مسرعًا ومن الخلف طرح الضابط للمرة الثانية على الأرض!!!!!!!
وتحول بعد ذلك إلى قطعة من العجة بين أيدي العساكر والضباط......
تم ضربنا بوحشية شديدة، ونقلنا جميعًا إلى عنبر التأديب، وقام الضباط بحرق أحد الزنازين، أشعلوا فيها النيران عن عمد ........لا يستطيع الضباط أن يقولوا:
"إننا قد دبرنا هذه المجزرة الوحشية ضد الطلاب.... لأنهم غافلونا وأخرجوا معرضًا مصورًا بالمجلات والفانلات من داخل السجن إلى الجامعة... مما أدى إلى توقيع الجزاء والعقوبة علينا".........
لقد دبروا هذه العلقة الساخنة للانتقام منا، وسار التحقيق في إتجاه :
أننا قمنا بتمرد داخل السجن.... وحرقنا أحد الزنازين..... فتم تأديبنا ومواجهة التمرد... ونقلنا لعنبر التأديب...!!!!!!!!!!
في عنبر التأديب منع عنا الطعام والزيارات...... وجاءوا إلينا بطبيخ السجن وأرز و عدس وقد رشوا عليه الكيروسين!!!!!!!!
وأعلنا الإضراب عن الطعام جميعًا دفعة واحدة...
وف اليوم الرابع حضر النقيب عصام قائلاً ومتوددًا للبعض منا:
- عندكم جلسات أمام القضاء وقد أحضرت لكم جميع ملابسكم (ملابسنا الشخصية التى صودرت أثناء العركة)...ورفضنا جميعا نزول الجلسات.........
وأستمر النقاش......ودارت مفاوضات..... ووصلت لجنة الإضراب لإتفاق:
نزول الجلسات مقابل فتح الزنازين على الجميع.... وإحضار ملابس الجميع.... وتركيب العديد من الحنفيات واللمبات داخل التأديب.... وتحسين الأمور بشكل عام......
ونزلنا الجلسات... وحكينا للطلاب وأمام القضاة كل ما حدث لنا طوال الأيام السابقة......
وبعدها بيومين كانت هناك مظاهرة يالجامعة تندد بما حدث.......
أما عن التأديب فلم يعد تأديبا وإنما حولناه إلى جنة وندوات.
الترحيل إلى سجن القلعة
بعد أن تحول عنبر التأديب إلى جنة... وأصبح عنبرًا أستجمام لا تأديب.. جاءت زيارة لي مكونة من أمي وأخي محمد خليل..... وفي هذه الزيارة أبلغني أخي أنه:
تم القبض على أحد أبناء حينا واسمه "علي سعد"....... وأنه بيقول أنهم مسكوه من شقة بشارع الهرم وحاولوا الضغط عليه للاعتراف عليك وعلى زملاءك بالكلية...... لكنه رفض ذلك.... وضربوه وقالوا له:
نحولك لشاهد ملك في القضية..... لكنه رفض أن بعترف على أحد.... وقال: أن الشقة دي هوه كان يستأجرها لوحده... ومفيش أي علاقة بينه وبين الطلبة والسياسية.
وبعد أسبوع أفرجوا عن علي سعد، وهو طلب مني أن أبلغك بذلك...
انتهت الزيارة ومن خلال ما حكاه محمد خليل عرفت أن الشقة التي استأجرناها بشارع الهرم.... وهربت فيها مع زملائي المطاردين تم إكتشافها.. لقد عرف السر الذي أخفيته على مباحث ونيابة أمن الدولة طوال الفترة الماضية... كنت أثق أن علي سعد أبن حينا لن يعترف علىّ ولا على أحد من زملائي بحركة الطلاب .....لقد كان على سعد همزة الوصل بيننا... كان ينزل إلى الجامعة يراقب كل ما يحدث عن بعد.....حيث كان ينزل إلى الجامعة زميل واحد حتى إذا قبض عليه ينزل الثاني..... وكان علي يراقب الزميل الذي ينزل ويتتبع تحركاته ويخبر المجموعة بالقبض أو عدم القبض عليه... كيف قبض عليه؟!! وماذا حدث؟!!
كل هذه الأسئلة كانت تدور بذهني ولا أجد إجابة عليها... لقد أنتهت الزيارة... وعدت إلى الزنازين...
وبعد ساعة من انتهاء الزيارة...... تم نداء أسمي... ترحيل إلى سجن القلعة.
صعدت سيارة الترحيلات إلى سجن القلعة..... أدخلت زنزانة رقم 8 حبس أنفرادي.. الأسئلة تطارد رأسي... يه؟ ماذا حدث؟ لماذا تم ترحيلي إلى سجن القلعة؟
فى لاظوغلى تحملت الضرب والصفع من كلاب مباحث أمن الدولة من أجل ألا أعترف على مكان زملائي... ينبغي أن أصمد..... خمنت الوقائع كالتالي:
تم القبض على سعد لسبب ما "مش مهم معرفته".....
علي سعد أنكر معرفته بي وبزملائي حتى لا يعترف علينا.....
علي سعد رفض أن يقول الحقيقة وقال أن الشقة كان يستأجرها بمفرده من أجل علاقات نسائية خاصة به حتى لا يعترف على أحد.
ظللت طوال اليوم أفكر..... في الثمانية مساءًا جاء بعض ضباط مباحث أمن الدولة وأخذوني في سيارة خاصة..... نزلوا بالسيارة من القلعة إلىشارع صلاح سالم إلى جامعة القاهرة.... ووقفوا بالسيارة عند تمثال نهضة مصر أمام كلية الهندسة وأنا صامت... سألتهم انتوا هاتحققوا معايا جوه كلية الهندسة؟!
قالوا: لا أحنا بس جايبينك جنب الجامعة والكلية... علشان تشوف كلية الهندسة لآخر مرة... لأن النهاردة صدر قرار بفصلك من الكلية... أجابتهم بكل برود: طز في أتخن كلية هندسة... لا يشرفني أكون مهندسًا ...وأنا لو أترفدت من كلية الهندسة ها أجيب عربية فول وها أبيع فول قدام الكلية وبرضه هنعمل مظاهرات وهنقول:
"مش معقول.... مش معقول..... سرقوا الشعب الواكل فول"
أبتسموا وادركوا أن حربهم النفسية لم تفلح... ساروا بي نحو محكمة بشارع السودان بعد ميدان الكيت كات ... صعدوا بي على غرفة وكيل نيابة يدعي أحمد رفعت أخذ يسأل:
وأنا أرفض التحقيق إلا في وجود محامي ...نفذت تعليمات أحمد شرف المرة دي بشكل صارم....
وظل ذلك يتكرر لمدة ثلاث ليالي متتالية...... وأنا أرفض أن التحقيق يجري في الواحدة أو الثانية صباحا وبدون محامى ...
في الليلة الرابعة دخلت التحقيق وبدون محامي..... كنت أريد أن أعرف ماذا يريودون بالضبط ؟
وأخذ وكيل النيابة يسأل ويسأل وكلها أسئلة فارغة..... ويدور ويلف ....
وأدركت أن ذلك كله يخفي بهدف قنبلة على سعد... إلى أن بادر بسؤاله:
- هل تعرف علي مسعد علي؟... فأجبت: سيادتك تقصد علي سعد علي
فنظر على أوراقه قائلاً: نعم.... علي سعد علي... يعني تعرفه؟!!!!
قلت له: نعم أعرفه... فبدأت شهيته تنفتح للأسئلة: كيف ومتى وأين؟...
قلت له: علي سعد أبن الحي الذي أسكن فيه.. وحينا ضيق وكلنا نعرف بعضنا وعلي سعد شاب ليس له صلة لا بالسياسة ولا بحركة الطلبة.
قال: لقد ضبط في شقة بشارع الهرم...
قلت له: وما علاقة هذا بالسياسة؟ وبحركة الطلبة؟
يعني هوه كل واحد مستأجر شقة في شارع الهرم يبقى له صلة بحركة الطلبة!!!
قال وهو يرفع منديل من القماش من على مكتبه وأخذ يجفف به عرقه:
- أعترف علي سعد بأنه ينتمي معك لتنظيم سري يهدف قلب نظام الحكم، وأن الشقة المستأجرة بشارع الهرم كانت تضم الهاربين من أعضاء التنظيم بكلية الهندسة، وأن علي سعد كان همزة الوصل بينك وبينهم ما رأيك في ذلك؟
لاحظت أثناء السؤال أن كاتب التحقيق لم يكتب هذا السؤال... فقلت:
- لن أجيب على السؤال إلا إذا كتب في محضر التحقيق... وقف مرتبكًا: نأن أن
- لا أحنا بنسأل الأول وبعدين هنكتب كل سؤال وجواب... فقلت له:
- علي سعد ليس له صلة بالسياسة... كل العلاقة معه أنه من أبناء حي داير الناحية الذي تربيت فيه ومفيش تنظيم سري... ونظام الحكم بتاعكم هوه مقلوب لوحده ومش محتاج حد يقلبه.....
وأخذ يلف ويدور حول موضوع شقة الهرم.. وكتب إجاباتي: لا أعرف شيئًا عن ذلك...
لكن وكيل النيابة لم يسجل أي سؤال سأله ولا أي إجابة أجبت... ولما سألته لماذا لا يكتب كاتب الجلسة الأسئلة والأجوبة
فهمت أنه عندما رفع المنديل من على المتب كان تلك إشارة متفق عليها مع كاتب الجلسة بألا يسجل الأسئلة... لأن أسئلته كانت غير حقيقة......
فعلي سعد لم يعترف على شيء .......وإنما كان يريد أن يربكنى عند سماعى بإعترافات من علي سعد وتنظيم سري وقلب نظام الحكم... يمكن يوصل لشيء...
أنقلب التحقيق بعد ذلك عن مظاهرة 11 فبراير بميدان الجيزة... والتهمة أنني اشتركت في مظاهرة كان من شأنها تكدير السلم العام.. نعم أنا اشتركت في مظاهرة الطلاب بميدان الجيزة.
وأقفل التحقيق و تم ترحيلي في اليوم التالي ثانية إلى سجن القناطر حيث عنبر التأديب والاستجمام..
وحينا عدت إلى سجن القناطر أخذت أجمع جميع الجرائد اليومية طوال الفترة امضيتها بسجن القلعة تحت الحبس الإنفرادي..... لأتابع ماذا جرى فقد حجبت عني الجرائد طوال هذه الفترة...
وكانت مانشيتات الجرائد في هذه الفترة وفى أحد خطب السادات على:
شقة شارع الهرم..... وتنظيم شروق....
فقد تم القبض في هذه الفترة على المناضلين:
نبيل الهلالي ومحمد علي عامر وأديب ديمتري وجميل حقى وآخرين بتهمة الانتماء إلى شروق وظلوا معتقلين بسجن القلعة لعدة شهور... أما السادات فقد قال في أحد خطاباته:-
"لقد ضبطنا التنظيمات السرية وراء حركة الطلبة....... لقد استأجروا شقة في شارع الهرم لتدبير المؤامرات ضد نظام الحكم...... من أين أتوا بالأموال؟...الخ"...
الشقة بالفعل كانت في شارع الهرم بجوار الأندلس بعد محطة التعاون... شقة مفروشة كان إيجارها الشهري 25 جنيه... جمعنا فيها كل الهاربين والمطلوب القبض عليهم من طلبة كلية الهندسة.... نعم لندير منها المظاهرات التي تطالب بإلافراج عن زملاءنا الذي تم إعتقالهم و للإختفاء من أعين الشرطة.
مبلغ 25 جنيه شهريًا في ذلك الوقت كان مبلغًا كبيرًا بالنسبة لنا كطلاب حقًا.....لكنه كان تافهًا بالنسبة لحركة طلابية تضم الآلاف ولها الآلاف من المتعاطفين معها.
لقد تم معرفة المكان من قبل جهات الأمن، لكن بعد أن تم القبض على جميع الهاربين من الشارع ومن المظاهرات ولم يعترف أحد من الهاربين على مكان الشقة، وبخطأ من أحد الطلاب "من غير الهاربين" كان قد تعرف على المكان عرفت جهات الأمن المكان فنصبت كمينًا محمكًا بدال خ ومن حوله...
أما أبن حينا علي سعد حينما وجد الجميع قد تم القبض عليهم فإنه قرر الذهاب إلى المكان وأخذ كتبه وملابسه وترك المكان..... لم يكن يعرف أن المكان قد إكتشف من قبل أجهزة الأمن..... فتح علي سعد باب الشقة وضع يده على مفتاح الكهرباء بجوار الباب فجأة.... وجد أمامه نصف دستة من ثيران أمن الدولة ومخبريها جالسين في الصالون في إنتظار الفريسة...... قفل باب الشقة وأشبع الثيران علي سعد ضربًا مبرحًا.. أخذوا بطاقته عرفوا من عنوان السكن "شارع داير الناحية" أنه أكيد صديق لي وله صلة بالسياسة.. جروه إلى مبنى جابر بن حيان... صار الضغط عليه من أجل الإعتراف ......لقد كان علي سعد "رحمه الله" عضوًا معي بتنظيم الشروق، .. كان علي سعد يخفي بمنزله أرشيف كاملاً للأوراق السرية لتنظيم شروق...... لم يخرج منه رجال مباحث أمن الدولة بكلمة واحدة ولا نصف معلومة رغم أن هذه المواجهة كانت هى المرة الأولى له في التعامل مع أجهزة شرسة وعاتية..... ورغم أنه تعرض للتعذيب الشديد والإهانة.... ورغم أنه أيضًا تعرض للإغراء المادي الشديد في حالة إعترافه والتجاوب معهم... يا سلام يا علي سعد... يا أغلى الرجال ويا أعز أبناء داير الناحية ...... هذه هي القصة كاملة عن تنظيم شروق وشقة الهرم....أرويها تفصيلاً بعد مرورسنين طويلة على تاريخها.... كان بطلها الحقيقي علي سعد..... مثلاً لمن يعملون ويناضلون ويكافحون في صمت.... ويرحلون أيضًا في صمت... هكذا هم الشرفاء دائمًا.
نضالنا أعتبره النظام ورئيسه ورجال أمنه مؤامرة وعمالة وتمويل.....
أما نحن فقد كنا ندافع عن حركة طلابية.... وعن حقنا في بناء تنظيماتنا المستقلة..... وحقنا في مقاومة نظام ديكتاتوري.... طبعًا نراوغ في التحقيقات ونخفي الحقائق لأننا أمام سلطة تحقيق غير عادلة وغير شرعية ...
والذي لا تعرفه أجهزة الأمن حتى الآن أن بعد القبض على علي سعد بثلاثة أيام ذهب الضابط الاحتياطي صديقنا ومسئولناً بتنظيم شروق..... لينهي عقد الشقة ولم يكن يعلم أن علي سعد تم القبض عليه، ففوجئ بصاحبة الشقة تصرخ في وجهه وتقول له:
- يبقى أنت مع الشاب اللي أتمسك من يومين.... لازم أبلغ المباحث ......"وبدأ صوتها يعلو ويرتفع" :
ضباط المباحث قالولي لازم تبلغي على أي حد يبجي الشقة دي...
وتصرف الضابط الاحتياط بحنكة رائعة قائلاً لها:
- ليه ليه حرام عليكي.... الناس اللي قالولك أنهم ضباط أمن دولة وقبضوا على الشاب.. دول مش أمن دولة ولا حاجة.... دول ضحكوا عليكي..... أحنا علينا تار في الصعيد... وهمه خدوه عشان يقتلوه..... روحي يا شيخة ربنا يسمحك.
فصمتت السيدة وهي في حالة ذهول: تار... صعيد..... أمن دولة......
أنا مكنتش أعرف ولاد الكب قالوا أنهم ضباط مباحث!!!!
وأنسحب صديقنا ومعلمنا ومسئولنا بتنظيم شروق من أمام السيدة في هدوء..... متصنعًا البكاء والألم..... وترك السيدة وهي حزينة ومندهشة..... لقد كان هذا الإنسان العزيز صيدًا ثمينًا .......لكنه لم يقع في شباك أمن الدولة وقتها....
مر شهر أبريل بعنبر التأديب في سجن القناطر، وفي أوائل مايو تم ترحيل كل الطلاب لسجن طرة لأداء الامتحانات، ولم يبق بسجن القناطر إلا غير الطلاب.....
وتم تجميع الطلاب من جميع السجون في عنبر واسع مفتوح "بسجن طره العمومي" كان يسمى عنبر السينما... وكانت أيام للمذاكرة......
كنت قبل الغروب أصعد علي شجرة كبيرة وأتسلقها.... وكانت العملية سهلة لضخامة جذوع الشجرة... كنت من فوقها كاشفًا لكورنيش النيل... وما أجمل النيل في هذه المنطقة...... "فعلاً السجن مطرح الجنينة"....
وفي يوم من الأيام رحت في نوم عميق أعلى الشجرة.. وثم قفل عنبر السينما على الزملاء ....وتم تبليغ إدارة السجن بهروب أحد الطلاب.... وظلوا يبحثون عني لولا أن أحد زملائي كان يعرف أنني أصعد كل يوم إلى الشجرة... فجاء وأيقظني.... وعاد الهارب لعنبر السينما......
وفي أوائل شهر يونيو صدر قرار الاتهام بشأن القضايا الطلابية... ونشر على صفحات جريدة الأهرام "تقريبا يوم 5 يونيو أو 6 يونيو عام 1973"....
كما تسلم كل من الطلاب المتهمين نسخة من قرار الاتهام، أما الطلاب الذين لم يرد أسمهم بقراري الإتهام فقد تم الإفراج عنهم.....
وصدر قرار الاتهام على قضيتين:-
القضية الأولى:
كانت تضم أحمد عبد الله رزة وسهام صبري وآخرين متهمين بالتحريض والآثارة ومعهم كل من قبض عليهم في 29 ديسمبر 1973.
القضية الثانية:سميت بقضية تنظيم الجيزةوكانت تضم الهاربيين وقصة شقة الهرم وكافة العناصر التى أشتركت فى أحداث 1973 وقبض عليها .
وفي أول شهر يوليو وعقب انتهاء الامتحانات الطلابية عاد من تبقى من الطلاب مرة ثانية إلى سجن القناطر بعنبر التأديب..... وطوال شهري يوليو وأغسطس توالت الإفراجات عن الطلاب..... وفي أوائل شهر سبتمبر لم يتبقى بسجن القناطر سوى ثلاثة من الحركة الطلابية:
كمال خليل "هندسة القاهرة"،
أحمد هشام عبد القادر "خريج هندسة القاهرة وأحد المؤسسين الأوائل لجامعة أنصار الثورة الفلسطينية "،
محمد نعمان كلية الزراعة جامعة القاهرة".
وأفرج أيضًا عن جميع الطلاب بباقي السجون..... ولم يتبقى بسجن القلعة بالإضافة إلى ثلاثة سجن القناطر سوى الآتي أسمائهم:-
1- إبراهيم عزام "هندسة القاهرة" 2- أحمد بهاء شعبان "هندسة القاهرة"
3- طلعت فهمي "هندسة القاهرة" 4- حلمي المصري "هندسة القاهرة"
5- سحر عبد المنعم الصاوي "ابنة وزير الثقافة"
هؤلاء الثمانية ظلوا بالسجن حتى 3 أكتوبر 1973 في سجنى القلعة والقناطر.
أنا وهشام ونعمان ظللنا معًا في زنزانة واحدة بسجن القناطر.... حتى جاءت حوالة ب عشرة جنيهًا لزميلنا نعمان....... فسهرنا طوال الليل نضع ميزانية حرب لإنفاق العشرة جنيهات .....لكها تم مصادرتها من قبل إدارة السجن مقابل البطاطين التي قمنا بحرقها أثناء التمرد في السجن...... "يقصدون البطاطين التي حرقوها حتى يداروا على خيبتهم في موضوع تهريب المعرض!!!!!!!
على منتصف سبتمر جاء إلينا إلى سجن القناطر "إبراهيم وبهاء وطلعت وحلمي" وأصبحنا سبعة بسجن القناطر، وسحر الصاوي وحدها بسجن القلعة.
أبلغني أحد الزملاء بحلقة شروق أن هناك اتصالات من قبل التنظيم برئيس منظمة الشباب كمال أبو المجد من أجل الإفراج عنا... قلت له:
أنا أرفض ذلك.... سيتم الإفراج عنا حينما تفتح الجامعة..... من خلال مظاهرات الطلاب ....لا من خلال التفاوض مع الدولة.
في 28 سبتمبر وأثناء خطاب السادات في المساء ....قامت إدارة السجن بتشغيل الإذاعة الداخلية وسمعنا الخطاب الذي قال فيه السادات:
"لقد أمرت بإسقاط قضايا الشباب من أمام المحاكم... وأمرت بالإفراج عن جميع الطلاب..."
ظللنا بالسجن حتى يوم 3 أكتوبر، وأفرج عنا ولم نكن ندري أن يوم 6 أكتوبر 1973 سوف يكون يومًا تنتهي فيه حالة اللا سلم واللا حرب ويوما لعبور قناة السويس... خرجنا من السجن يوم 7 رمضان وكنا قد أمضينا داخل السجن 7 أيام من رمضان... عدنا إلى الديار بعد 7 شهور وأثنان وعشرون يومًا.
خرجنا إلى الأهل والأصدقاء... أخذنا نحفظ من زملائنا أغنية زين العابدين الجديدة من تلحين الشيخ أمام عيسى:
"أتجمعوا العشاق في سجن القلعة... أتجموا العشاق في باب الخلق... والشمس غنوة م الزنازين طالعة... ومصر غنة مفرعة في الحلق...
أتجمعوا العشاق في الزنزانة... مهما يطول السجن مهما القهر..
مهما يزيد الفجرم السجانة....مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر........ ولا حد.....
وقصيدة نجم من تلحين الشيخ أمام:
"شيدو قصورك على المزارع...... وعمال وفلاحين وطلبة"
كفارة يا معلم......... السجن للجدعان ..............والمشنقة مرجيحة الرجالة.
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (رؤية سريعة عن حال المنظمات الماركيسية بالجامعة).ا

الجمعة، 5 مارس، 2010

الحلقة الحادية عشر : سجن القناطر من 11 فبراير الى 3 اكتربر 1973

سجن القناطر
11 فبراير 1973 – 3 أكتوبر 1973
مازالت المظاهرة تسير في حواري الجيزة... الليل بدأ يزحف وغابت الشمس.... وقرر الزملاء إنسحابي من المظاهرة لمواصلة العمل فى البوم التالى.... لكن الأمن كانت عيونه ترصدني بدقة..... سرت على الجانب الأيمن للمظاهرة.. أنسحبت إلى شارع جانبي أنا وطارق صلاح ( أحد زملائي بكلية الهندسة)....
وما إن سرنا عدة أمتار في الشارع حتى أندفع نحونا شخصين كل منهما في وزن ثور..... جرينا بسرعة.... عرجنا وتعرجنا في العديد من الشوارع والحواري والثوران من خلفنا..... إلى أن اتسعت المسافة بيننا وبينهم بدرجة كبيرة وفي إحدي التعريجات ولسوء حظنا دخلنا في شارع مسدود.... ولم ندرك أنه مسدود إلا في منتصف الشارع.. كانت قدمانا تسابق الريح ولكن الوجه كان دائمًا ينظر إلى الأرض..... وكان الثوران في الشارع العمودي على الشارع المسدود وشاهدونا ونحن ندخل إليه... ولما وجدنا الشارع مسدود لم يكن هناك مفر أمامنا إلا دخول أحد المنازل وعدم الرجوع للخلف فالثوران آتيان... وبالفعل دخلنا أحد المنازل قبل إن يحضر الثوران إلى قمة الشارع المسدود... صعدنا إلى الدور الأول طرقنا بعنف على الباب... خرج إلينا صاحب الشقة قلنا له:
أحنا من مظاهرة الطلبة والبوليس يطاردنا... ياريت تدخلنا عند سيادتك لمدة خمس دقائق.. لحد ما يمشوا...
وعينك ما تشوف إلا النور... صاحب الشقة رزع باب الشقة وقفله في وشنا.... قائلاً: بوليس... ونروح أحنا في داهية...
صعدنا دورين إلى أعلى وكررنا المحاولة مع شقة ثانية وطرقنا الباب... خرجت إلينا شابة سنها "22 – 25 سنة" .....قلنا لها نفس ما قلناه لصاحب الشقة أسفلها... فتحت لنا الباب وقالت وهي مرتبكة:-
- أدخلوا انتوا زي أخواتي برضه..
دخلنا إلى الصالة... ومن شدة التعب جلسنا على الأرض ونحن نتنفس الصعداء وننهج بشدة...
فوجدناها تقول لنا:
- معلش أنا ممكن أستضيفكم لمدة ربع ساعة فقط... لأن أنا عروسة ولسة متجوزة جديد..... ولوجه جوزي هيتخرب بيتي... أنا أخواتي معاكو في حركة الطلبة... بس جوزي ما يفهمش حاجة في السياسة...
شكرنا هذه الفتاة العظيمة... وقلنا لها افتحي شباك البلكونة وأوصفي لنا ماذا يدور في الشارع... خرجت.. ووقفت على سور البلكونة لمدة خمس دقائق.. وجاءت وقالت لنا:
مفيش حد في الشارع... غير اثنين زي الثيران واقفين على رأس الشارع... واحد لابس بنطلون أزرق وبلوفر بني.. والتاني تقريبًا نفس اللبس... عرفنا من كلامها إنهما الثوران اللذان كانا يجريان خلفنا... وإنهما حينما وصلوا إلى قمة الشارع ووجدوه مسدودًا و لم يجدوا أي أثر لنا... استنتجوا إننا مختبئين في أحد المنازل... لكنهم لم يحددوا في أي منزل دخلنا.. لذا فهم وقفوا على قمة الشارع في إنتظارنا...
شكرنا الفتاة... وقررنا الإنصراف حتى لا نضرها... بعد أنا شربنا كوبين من الماء.... قلت لزميلي: هيا بنا نصعد إلى سطح المنزل... سننام على السطح حتى الصباح... والثوران لن يستطيعا تفتيش كل بيوت الشارع... فالشارع طويل....... صعدنا نحو الدور الأخير لكن السلم لا يصل إلى السطح... السلم مغلق على الدور الأخير... جلسنا لفترة طويلة على بسطة وسلالم الدور الأخير... أخيرًا أدركنا الإرهاق والتعب قررنا الخروج من المنزل وإحنا وحظنا.
وما أن خرجنا من المنزل.. حتى توجه الثوران نحونا...
كل منهما يمسك بطبنجة: أوعى حد يتحرك... هنضرب في المليان..
استسلمنا ووقعنا في أيديهم... حاصرونا... كل منا في ناحية..... ظهره إلى الحائط ومحاط بنصف دستة من الثيران... أشحت بنظري إلى أعلى وجدت الفتاة الكريمة واقفة في البلكونة وهي تبكي... فرت الدمعة من عيني.. لكن بعض دقائق وجدت نفسي محشورًا في تاكسي مغمي العين وأجلس قرفصاء في دواسة عربةملاكى.... وأقدام الثيران فوق جسدي..... وكمامة أخرى على فمي.. لكن السيارة كانت تسير قريبة من المظاهرة فكنت أسمع الهتافات:
أصل الوالي يا ناس مش داري ....... بهم الفقرا في الحواري
شربوا الفقرا المر سنين ....... يا ما ليالي باتوا جعانين
شربوا المر وشربوا القهر ..... وبيستلفوا طول الشهر
حينما سمعت صوت المظاهرة أدركت لماذا تم وضعي في الدواسة تحت الأقدام... لأنه لو كنا جالسين في السيارة وشاهدنا زملاءنا في المظاهرة لأنتزعونا من بين أياديهم... خارج السيارة... طارق فى الدواسة الأمامية، وأنا فى الدواسة الخلفية..
ودخلنا إلى مبنى المباحث بشارع جابر حيان المجاور لحينا... حينما دخلت هذا المبنى.. تذكرت كل ما حدث في حادث مجلة الحائط "مجلة من صنع أيدينا"...... تذكرت عادل آدم وفريد عبد الكريم وشخير الضباط ...دوارة سنين الزمن دوارة... سمعت صوت المخبرين مهللاً بفرح:
قبضنا كمان على أحمد شرف الدين.. وصوتًا لضابط آخر:
كمال خليل وأحمد شرف في ليلة واحدة... يادي الهنا...
لم نمكث طويلاً بمنى جابر بن حيان "فرع مباحث أمن الدولة بالجيزة و كان وقتها يختص بالدرجة الأولى بطلبة جامعة القاهرة"..... تم ترحيلنا بسرعة إلى مبنى مباحث أمن الدولة – فرع القاهرة – بميدان لاظوغلى...
وكانت أعداد المقبوض عليهم بالعشرات... وضعنا أنا وأحمد شرف الدين وطارق صلاح بأحد الزنازين في بدروم لاظوغلي... استدعيت لأحد الدور العلوية... دخلت إلى أحد الحجرات.. عاملونى بلطف "...طبعًا في البداية"...
أجلسوني على كرسي أمام مكتب كبير يجلس عليه حوالي أربعة من ضباط أمن الدولة... وضابطان من الخلف وباب الغرفة في ظهري.... بدءوا الحديث تشرب إيه؟ شاي قهوة سجاير... أقولك بلاش الكلام ده... أحكي لنا عن نفسك.
كانت هذه أول مواجهة بيني وبين كلاب أمن الدولة.. بادرتهم بالقول:
- أنا ساكن في الدقي القديم..... وكنت عضو في منظمة الشباب... والحكاية والرواية.. "وأي كلام فارغ كنت عمال أقوله بعيدًا عن الدخول في أي موضوع عن الطلبة وزملائي اللي كانوا هاربين معايا... كان هذا كل شاغلي... ألا أتحدث عن زملائي... ولا عنوان الشقة التي بها الهاربين"...
وبدأت الأسئلة تطاردني:-
فين طلعت فهمي؟ فين عماد عطية؟ فين حلمي المصري؟ كنت هربان معاهم فين؟
وأنا أجيب كل مرة:
- أنا ما عرفش حد أسمه طلعت.. أنا م الدقي القديم... وأنا كنت عضو في منظمة الشباب... الخ...
وأكرر ذلك في كل مرة وأزيد عليه أية معلومة هايفة... لدرجة أن أحد الضباط وقف يصرخ في وجهي:
- خلاص يا أبن الكلب.. عرفنا أنك أنت من الدقي القديم... . وعضو في منظمة الشباب... خلاص... قول حاجة جديدة... خلاص أنا ورمت...
وبدون أن أدري كان الباب من خلفي قد فتح... وفي لمح البصر وجدت كفًا غليظًا ينهار على قفاي من الخلف... وعندما ألتفت خلفي أنهارت على وجهي مجموعة من الأقلام... ومن الخلف مجموعة من الشلاليت وبعد هذه العجنة بادرني من ضربني من الخلف "والذي استنتجت أنه قائدهم":
هتنكر يا أبن الكلب أنك كنت في المظاهرة... أجيب اللي كان شايلك... وأشار بيده على أحد المخبرين التابعين له... وكان يرتدي بنطلون بني وفانلة بيضاء.. وفعلاً هذا الشخص كان يحملني في المظاهرة.... وكاد يسلمني لعساكر الأمن المركزي.... لولا إننى أدركت في اللحظات الأخيرة أنه مخبر مندس وليس طالب..... فضربته من أعلى على رأسه وإذنيه.... ومن أسفل بقدماي في منطقته الحساسة فإ ستطعت أن أفر من بين يديه" وهو يحملني "لشدة الألم الذي أصابه.. لقد كان فعلاً يحملني في وسط المظاهرة... ولما هاجم أمن المركز الطلاب جرى الطلبة إلى الأمام أما هو فقد ثبت في مكانه... وأصبحت أنا وهو على بعد أمتار من عساكر الأمن... وأنا أصرخ فيه.. "نزلني يا صاحبي.. نزلني يا صديقي"... وهو ثابت... حينها أدركت أنه لا صاحبي ولا صديقي فضربته من أعلى ومن أسفل... وهربت من بين يديه مندفعًا نحو زملائي الطلاب.
عجنة من الأقلام على الوجه والقفا مع مجموعة من الشلاليت.. أدركت فيها أننا قد بدأنا ندخل في الجد...
صرخت منفعلاً وباكيًا قائلاً لقائدهم:
- أنا مش أبن كلب.. أنت أبن ستين كلب... يا أبن ويا أبن..... أيوه الكلب ده كان شايلني... بس مقدرش يمسكني...
أنا مش خايف.... أيوه كنت في المظاهرة..أيوه أنا ضد السادات.. وضد إسرائيل...
ولو كنت جدع يا حضرة الضابط واجهني راجل لراجل... بتتحاما في المخبرين بتوعك يا خول......
كنت وقتها طويلاً نحيفًا لا يزيد وزني عن 52 كيلو جرام... بالطبع شعرت بالإهانة الشديدة عندما صفعت على القفا والوجه.. وكان هذا العامل الأساسي وراء بكائي...... لم يكن بكائي تعبيرًا عن أنهيار وتخاذل...
لكنه كان بكاء مع تحدي.. وهذا هو ما عملته لي الحارة التي تربيت فيها.. حينما كنا نتشاجر وتكون وسط المعركة ضعيفًا والخصم قويًا...غير مصرح لك أن تستسلم... أبكي وأضرب وقاوم..... لكن غير مقبول أن تستسلم..... هذا ما جعلني أخاطب قائدهم بألفاظ نابية... وأنا أبكي... ورغم بكائي إلا أنهم شعروا بقوتي رغم هزال جسدي...
أما الأهم عندي في هذه اللحظة... أن قائدهم بغباءه قد حول خط سير الاستجواب "من السؤال عن زملائي والمكان الذي كنت أهرب فيه.... إلى السؤال عن:
هل أشتركت في المظاهرة أم لا؟... وكان هذه شيئًا جيدًا بالنسبة لي.
وبعد عجنة الأقلام والشلاليت بدأ الضباط يوجهون الأمر إلى الدفة الأخرى "ترهيب ثم ترغيب ثم ترهيب وهكذا...
- لا.. لا.. يا ماجد بيه... كمال طيب وهيتكلم... وهيقول على كل حاجة...
"عرفت بعد ذلك وبعد حبسات كثيرة أن قائد هؤلاء الضباط والذي صفعني من الخلف... والذين يقولون له ماجد بيه... هو ماجد الجمال أحد الجنرالات الكبار(وقتها) في جهاز مباحث أمن الدولة ......
بعد أن جفت دموعي وهدأت جلست صامتًا تمامًا... لا أنطق بأي كلمة.... يسألون وكأنني لا أسمع.....
وأخيرًا قال أحدهم: نزلوه الزنزانة تحت.. لما نشوف أخرتها إيه؟!!
نزلت إلى الزنزانة، وحكيت لأحمد شرف كل ما دار بيني وبينهم... فأخذ ينصحني ويعلمني:
القانون بيقول جهاز مباحث أمن الدولة سلطة تحريات وضبط وإحضار..... ليس من حقهم أن يجروا معك أية تحقيقات... التحقيقات قدام النيابة وفي مبنى النيابة مش في مبنى مباحث أمن الدولة...
وتعلمت على يد آخي أحمد شرف "رحمه الله" أول الدروس في قصة "مواجهة سلطات التحقيق....
" أستعدوني مرة ثانية..... فجلست أمامهم قائلاً بكل ثقة:
- مش ها أجاوب على أي سؤال... أنا عايز النيابة.. القانون بيقول أن النيابة هي سلطة التحقيق... أنتم سلطة تحريات وضبط وإحضار.
ضحكوا وقالوا لبعضهم: أحمد شرف حفظه الكلمتين...
قالوا لي: أحنا عارفين أنك من الدقى القديم وكنت في منظمة الشباب ....وبعدين....
قلت لهم: لا... أنا مش الدقى القديم ..... أنا عايز النيابة..
أنزلوني ثانية إلى الزنزانة.. حكيت لأحمد شرف ما حدث.. قالي: كده كويس.....
بعد دقائق أستدعوا أحمد شرف وصعد إليهم.. أما أنا فأخذوني إلى غرفة ثانية بالمبنى.....
وأجلسوني أمام وكيل نيابة أخذ يسألني بعد أن أطلعني على كارنيه النييابة... فقلت له:
التحقيق لازم يكون في مبنى النيابة مش فى مبنى مباحث أمن الدولة... كان الرجل رقيقًا مهذبًا... وتعامل بلطف... في النهاية دخلت التحقيق معه واعترفت بعنترية وإعتزاز شديد بأني كنت في مظاهرة ميدان الجيزة ........... ودافعت عن حق التظاهر..... وسألني المحقق عن جميع الزملاء الهاربين... فقلت له: أنا ما أعرفش حد.. أنا من الدقي القديم وما أعرفش حد من الجامعة.. ضحك وكيل النيابة وقال لي:
.......................... أنت متهم بقلب نظام الحكم...................
قلت له:
بالذمة فيه واحد وزنه 52 كيلو جرام يقدر يقلب نظام حكم مدعم بالدبابات والطائرات والمخبرين...
ضحك وكيل النيابة وأمر بحبسي 15 يوم.. عندما قابلت أحمد شرف في عربة الترحيلات وحكيت له ما حدث.. نهرني قائلاً: أنا مش قلت لك لا تدخل التحقيق إلا في سرايا النيابة..
قلت له: وأنا أعرف منين سرايا النيابة ده...
قال: وكمان لازم يكون معاك محامي... وميكونش فيه أي ضابط أمن دولة جوه غرفة التحقيق... حسيت أني حمار... بس عذرت نفسي وقلت أكيد طلبة الحقوق معرفتهم أكثر في المسائل ده من طلبة كلية الهندسة... لكنني أدركت بعد ذلك أن هذه المسائل على درجة كبيرة من الأهمية ولا ينبغي تقديم أي تنازل فيها... ولازم يعرفها كل مواطن لإننا في دولة بوليسية...
سارت بنا عربة الترحيلات في ظلام الليل.. قال لي أحمد شرف بعد فترة وبعد سير العربة على كورنيش النيل..... "إحنا رايحيين سجن القناطر"..
دخلنا سجن القناطر في حوالي الساعة الحادية عشر مساءًا.... ودخلنا إلى أحدى الزنازين مع أحد الطلاب المعتقلين والذي كان محبوسًا حبسًا انفراديًا.. وكان صوتنا منبوح.. وأخذ الطالب يقول بصوت عالي ليسمع الزنازين المجاورة:
- يا جماعة وصل زملاءنا أحمد شرف الدين حقوق القاهرة... وكمال خليل هندسة القاهرة...
سمعنا أصوات زملائنا من الزنازين المجاورة ........أيه أخبار الجامعة؟!!
الجامعات نامت ولا أيه؟!!
حينما أخبرنا زميلنا الطالب ليقول للزملاء:
كمال وأحمد صوتهم منبوح... وهمه جايين من مظاهرة ضمت أكثر من 6 آلاف طالب خرجت من الجامعة القاهرة لميدان الجيزة.
أنقلب حال السجن إلى فرح شديد وهتافات بعد أن كان صامتًا كئيبًا... حيث أعتقد البعض أن الحركة تراجعت ولم يتحرك الطلاب للتضامن مع زملائهم المعتقلين.. صخب شديد... وسلامات وفرح من داخل الزنازين المغلقة.... وبعد ساعات رحت أنا وأحمد شرف في نوم عميق عميق.. نوم الزنازين على البرش... نوم العوافي يا مصر في جمهورية سجن القناطر الديمقراطية...
معرض يتم تهريبه من سجن القناطر إلى الحرم الجامعي
من ليلة 11 فبراير 1973 إلى صباح 3 أكتوبر 1973 :
"سبعة شهور وإثنان وعشرون يومًا".... أمضيتها بالتمام والكمال داخل سجن القناطر.......
عدا عشرون يومًا من هذه الفترة تم ترحيلي فيها إلى سجن القلعة وحبسي انفراديًا وضغوط وتحقيقات بنيابة إمبابة.... ثم عدت بعدها ثانية إلى سجن القناطر... وشهر أخر رحلنا فيه جميعًا لسجن طره لأداء إمتحانات نهاية العام .
واحد يا ورد.. أثنين يا فل... تلاتة يا ياسمين..
أربعة يا أجدع ناس معلمين.... خمسة يا أفندية وإختلاسات مالية...
ستة يا زهرة شباب الحركة الوطنية.. سبعة يا باشا..
ثمانية يا أجدع ناس حشاشة... تسعة يا شاكوش..
عشرة والقضية طلعت فاشوش...
أعرفكم يا أخواني... أن أخوكم.. محمد زرجينه.. خارج بكرة.... بعد عشرة سنين جدعنه ف جدعنه..
وعقبالكم وعقبال عندنا يا حبايب...
كان هذا نشيد العنبرة....... الذي يطلقه السجناء الجنائيون ليلة الإفراج عنهم وإطلاق سراحهم بعد انتهاء مدة العقوبة.. وهذا النشيد يتنوع من سجن إلى سجن.. وتدخل عليه تعديلات كل فترة من المساجين الجنائيين ....الأمر يحتاج إلى دراسة وتحليل...
.. العنبر وأغاني حراس الليل على أسوار السجون في ظلمة الليل:... فلكلور شعبي...
حينما يمر ضابط بجوار الأسوار العالية في نوبة مرور تسمع أصواب غفر الليل:
"كنجي – برنجي – شنجي".... وهي أسماء تطلق على ترتيب دورياتهم،... وترتفع أصوات الحراس :
"واحد تمام... اثنين تمام.. ثلاثة تمام.. أربعة تمام.."
في نغمة موسيقي عالية.....
وبعد رحيل الجنرال.... وفي جنح الظلام تستمع إلى غناء الغربة والأوجاع لمجند من الصعيد يحرس أسوار السجن......
السجن ليس أبواب وسلاسل وأسوار عالية... السجن هموم وشجون وأحزان وتضامن و صحبة................ في السجن ينكشف معدن الإنسان.. الجنائيون بشر دفعتهم الظروف الاجتماعية القاسية إلى الجريمة..
السياسيون بشر دفعتهم الديكتاتورية الحاكمة وإستبدادها إلى داخل السجون.. في السجن دائمًا يلتقي السياسي والجنائي كل منهما جاء إلى السجن بأسباب ودوافع مختلفة.
في ظلال الفرحة... أنطلق صوت من أحد الزنازين قائلاً:
العزيق... العزيق يا صدقى... والعزيق هى قصيدة للشاعر سيد حجاب ..... أما صدقي فهو أحد طلاب كلية الهندسة بجامعة عين شمس، والذي لم أراه منذ حبسة سجن القناطر(فينك ياأخويا ياصدقى)..........
.. كان صوته جميلاً وشجيًا... ويغني من أعماق قلبه... أين أنت يا صدقي؟؟ وأين جسارتك وصوتك العذب...
ومن على شباك الزنزانة أنطلق صوت صدقي كالهدير داخل السجن:
وهبت عمرى للأمل ولا جاشى
وغمرت غيطى بالعرق ما عطاشى
ورعيت لمحبوبى هواه ماراعاشى
والليل عليا طويل وأنا العليل العليل
راضى الطبيب لكن دواه ماراضاشى
والصبر فين؟....الصبر فين؟...
الصبر فين ياسنين طوال وليالى
عيتى على الجمل الأصيل العالى
لما ينخ بحمل من أحمالى
لكن فى كل صباح ...بأنسى الجراح
وأنقش بفاسى ع الغيطان موالى......
ياليل ياعين.....ياليل ياعين....
ياليل ياعين ياأرض يامعشوقة
ياكاشفة من فوقك بذور مرشوقة
غنيت وفى المغنى فرضى للسمرة أرضى
هيه اللى باقية ع الزمان معشوقة
والعشق زين......العشق زين
العشق زين بس الهموم سباقة
والشوق حريق بس الغيوم خناقة
مشتاق أنا والحلوة مش مشتاقة
أمتى تطول العيدان دا من زمان
والذل شين....الذل شين
الذل شين والأرض بكر عافية
يوم الحصاد وعروسة متحنية
لو شفتها بالقمح متغطية
هاأفرد عبايتى وأقابل أم السنابل
وهاأضم أملى بعد شوق
والذل شين الذل شين
وأنا بالأيدين المعروقين يامناجل
هاأنزل بشومتى ع الغراب الحاجل
ويايبقى شغل وغنى طول السنة
ياتبقى ثورة فى الصدور ومراجل
والوعد دين.......الوعد دين......الوعد دين.......
بعد إنتهاء صدقي من الغناء سألت عن صاحب القصيدة... وعرفت أن هناك رطبًا جديدًا غير رطب نجم وأمام..... وفرحت جدًا لأني وصلت إلى السجن مع زملائي... أكيد ها أتعلم حاجات جديدة... وأ كتشف العالم اللي بأبحث عنه.. بعد ذلك سمعت قصائد في غاية العبقرية والجمال.. سمعت صوت الشاعر محمد سيف وقصائده التي أحسست إنها خرجت من أحشاء حينا الشعبي.......
"الفاتحة له... عاش زي دكر النحل.. مات زي دكر النحل..."
وشارع الرويعي... وغيرها وغيرها.. آه كم أفتقدك يا سيف... لم أراك منذ هذه الحبسة... أين أنت يا سيف وأنت تحاور تراب حارتك:
"ماظني... أن الكهارب اللى والعة فى القصور دى.. مسروقة من نور عين حواريكي.. اللي أزاز فوانيسها بالأعوام يبات مكسور.."
" وباعوا الكوليرا للفقراء.."
ما أحوج إضرابات العمال الآن في عام 2007 , 2008 , 2009 إلى أشعارك يامحمد ياسيف...
بعدها كانت أشعار شاعر مدينة المنصورة زكي عمر "رحمه الله"..
لقد أبكى الجميع بقصيدته "وقفة أمام قبر أمي".....
"صدق صوت الشارع... والشاعر أصدق صوت إن قال... أديني برودة "يا خال.. خدني مني الكلمة وأديني بنادق... خد مني البيت العالي وأديني خنادق... خد مني مالي وكل عيالي...دا نفسي ولو مرة أكون البادئ"
وقصيدة "لما تبقى الكلمة لجل الكلمة بس... تبقى خيبة ولازم نتكتم وتسكت"
رحمك الله يا زكي عمر... لم أراه منذ هذه الحبسة.. سمعت أنه مات غريقًا في بحار اليمن... أنقذ طفلته من الغرق ومات هو غريقًا.... ما أحوجنا اليوم أيضًا إلى طباعة ديوان شعرك....آه يا زكي يا عمر...
كنا حوالي سبعون طالبًا من كليات وجامعات مختلفة، وضع كل خمسة منا في زنزانة صغيرة"..... كان الزملاء بالسجن يشكلون "حياة عامة مشتركة" للجميع، وكان يدير الحياة العامة عدة لجان من الطلاب:
لجنة خاصة بتجميع المأكولات والأغذية والسجائر وتنظيم الزيارات وتوزيع الطعام بالتساوي على الزنازين الأربعة عشر وكانت تسمى بلجنة الإعاشة.....
لجنة ثانية خاصة بتنظيم الندوات السياسية والثقافية داخل السجن... وتنظيم الإذاعة المسائية وكانت تسمى اللجنة الثقافية....
ولجنة ثالثة كان مهمتها الاتصال بإدارة السجن وتوصيل مطالب المعتقلين للإدارة وكانت تسمى "لجنة الإدارة
أما اللجنة الرابعة فكانت لجنة المعرض والتي شكلت جميع معالم الحبسة وفجرت معركة كبرى وعلقة ساخنة داخل سجن القناطر..
لقد سار عمل اللجان الثلاثة الأولى بشكل منتظم وجيد، فقد كانت تصادر الأغذية بكل زيارة بشكل كامل ويتم توزيعها على الزنازين بالتساوي مع عمل مخزون إستراتيجي من المعلبات والسجائر، وكانت الحياة وافرة...
كما تم عقد العديد من الندوات الهامة داخل السجن، وكان الصراع السياسي بين الفصائل المختلفة على أشده، فريق يتهم الأخر باليمينية... وفريق يتهم الآخرين بالطفولة اليسارية.... وفريق يدعي أنهم هم الوحيدون أصحاب الخط الصحيح وما عداهم فهو إنتهازي يميني وطفل يساري... وصراعات مع إدارة السجن.... ونقاشات مطولة عن طبيعة إدارة السجن.. هل هي تعبير عن السلطة الحاكمة؟ أم هناك استقلال نسبي بينهما؟؟
أما أخي الفاضل العزيز "تيمور الملوانى رحمه الله" فكان يطالب إدارة السجن بالإستحمام بالماء الساخن وشاكس معهم طويلاً على ذلك..... فقالوا له: لدينا حمام بخار... فذهب معهم وأدخلوه أحد الغرف والتي بها فتحة مستديرة بالسقف..... وقالوا له: أخلع ملابسك سوف يدخل عليك البخار الساخن من هذه الفتحة......
أنتظر تيمور طويلاً بعد أن أغلقوا باب الغرفة في انتظار البخار الساخن الذي لم يأت.... بعد ربع ساعة صرخ:
يا شاويش فين البخار؟
أجابه الحارس من الخارج... مفيش بخار أنت في زنازين التأديب... وضحك تيمور بأعلى صوته قائلاً: با ولاد الكلب...
أما صديقي العزيز والمناضل "محمد الدرديري خريج كلية الطب ... أمرت إدارة السجن بوضع القيدالحديدى في أيديه وأرجله لمدة ثلاثة أيام متواصلة بعنبر التأديب... حيث مر مدير مصلحة السجون ذات يوم ليطلع على أحوال السجن فما كان من الدرديرى إلا أن يخطب خطبة شجاعة في وجه هذا الجنرال وأمام جميع المساجين: عن قذارة السجن...... وسوء أحوال المساجين الجنائيين...... وأن العلاج الذي يكتبه طبيب السجن للمسجون الجنائي على الروشتة:....... "كوب من ماء الفول"!!!!!!!!!
"أحس الجنرال بالإهانة فأمر بوضع القيود الحديدية في أيدي الدرديري".......
عندما وصلنا السجن أنا وأحمد شرف كان هناك إضراب عن الطعام لبعض الطلاب للمطالبة بالإفراج الفوري..... وشاهدت الزميل أحمد هشام عبد القادر نحيفًا نحيفًا........ فقد كان تقريبًا قد دخل في اليوم الثالث عشر من الإضراب.. وكان هناك نقاشات طويلة عن الإضراب عن الطعام والشراب....والإضراب حتى الموت...وشروط الإضراب الناجح.........وكيف يكون الإضراب سلاح ذو حدين؟......
وكان دائمًا يطرح سؤال بين الطلاب سؤال برئ لكنه مهم:
يا ترى بعد كل مظاهرات وحركة الطلاب..... الثورة هتكون بعد كان سنة؟!!!
... كان بعض الطلاب يراها بعد ثلاث أو خمس سنوات بالكتير...... والبعض كان يرى أن الحركة ما زالت في أوساط الطلاب والطلاب لا يصنعون ثورة..... لذا قالوا: الثورة بعد 25 سنة..
أما أنا فكنت من أنصار "الثورة أهي جاية.. حتى ولو في القرن الـ 100"
كنا وقتها في القرن العشرين "عام 1973"........ هانت فاضل 80 قرن بس!!!
وكان أيضًا في أوقات التهريج يطرح سؤالا بريئا وخبيثا فى نفس الوقت:
"يا ترى مين من السبعين طالب هيستمر في الكفاح من أجل المبادئ والثورة؟.... ومين هيخون؟..... ومين اللي ها يترسمل؟.... ومين اللي هايبعد ويقول ماليش دعوة؟.... ومين؟... ومين؟.. ومين؟..."
كنا نجيب عليها بشفافية؟ وكانت الإجابة تعكس وجهة نظر كل منا في الأخر..
وكان كل منا يعتقد أنه الثأئر الوحيد..
كنا حوالي سبعين طالبًا بسجن القناطر، وتقريبًا مثلهم بسجن الاستئناف ومثلهم بسجن طرة، وما يزيد عن عشرين طالبة تقريب بسجن القناطر نساء، وأستمر الإضراب عن الدراسة بهندسة القاهرة حتى أواخر فبراير، كما استمرت المظاهرات التي تطوف بالحرم الجامعي حتى 21 مارس، واستمرت حلقات النقاش حوال مجلات الحائط بكافة الكليات...
في السجن تعرفنا على "التوتو" وهو موقد من الكيروسين والشرائط... أخترعه المساجين الجنائيين ويتم تصنيعه داخل السجن من المعلبات الفارغة، ويستخدم في طهي لا الطعام وعمل الشاي.....
كما تعلمنا كيف تقطع السيجارة إلى عدة قطع بالموس ونضع كل قطعة وندخنها في مبسم صغير...
معلمين صغار.... "كنا نقلد الجنائيين ونقول مثلهم" إذا أردت أن تنجز عليهم بالونجز".....
والونجز نوع من السجائر كان شائعًا وأنقرض..
وكان بعض الطلاب يحاول أن يقلد الجنائيين في شرب البرشام "سبراكس وفانتوم" وفي تصنيع الهبهب من العسل الأسود "خمر مصنع داخل السجن".......
هكذا في السجن يحدث شيئًا إيجابيًا بأن يتأثر المسجون الجنائي بالأفكار والمبادئ والثقافة للمسجون السياسى......وبعض الأحيان يحدث شيئًا سلبيًا وهو تأثر السياسي بالجنائي في شرب البرشام والهبهب وخلافه..
طور أحمد شرف الدين الإذاعة المسائية من شبابيك الزنازين...... وأسماها "إذاعة جمهورية سجن القاهرة الديمقراطية".......... أصبحت الإذاعة غنية بالمقالات الناطقة التي تحلل أحداث الساعة وأخبار الخارج...
أما اللجنة الرابعة.. لجنة المعرض فكانت تعد لعمل معرضًا خاصًا بطلاب سجن القناطر.... وعرضه خارج السجن بالحرم الجامعي في جامعة القاهرة..
شكلنا لجنة من الطلاب بالخارج "والذين لم يتم القبض عليهم"..... كانت هذه اللجنة تتلقى الرسومات والنشرات التي يتم إعدادها داخل السجن وقد قمنا بعمل أشياء متنوعة:
· رسومات تعبيرية على الفانلات الداخلية أو تشيرتات 1/2 كوم بيضاء..... كانت تدخل إلينا في الزيارات كملابس داخلية...... و يتم الرسم عليها بالألوان التي هربناها من الخارج للداخل........ وكل فانلة تحتوي على كاريكاتيرأو رسمة تعبيرية أوشعار للحركة الطلابية ... الخ
أشرف على إعداد هذه الفانلات مجموعة من الطلاب الفنانين والذي كان لديهم مواهب جميلة وخارقة في الفنون الجميلة من أمثال السيد دحروج الطالب بكلية الحقوق.
· على أحد ملايات السرير البيضاء رسمت قبضة يد قوية تخرج من شباك زنزانة..... وكتب تحتها بالخط العريض :
· "النصر للحركة الطلابية...... الإفراج عن الطلاب المعتقلين"..... ووقع بأقلام الفولوماستر السبعون طالبًا كل بتوقيعه الخاص".
وأسفل كل التوقيعات كتب بالخط العريض :
"الطلاب الوطنيون بسجن القناطر"
· أعددنا عدد هام ومتنوع من مجلات الحائط الوقية... كتبنا المقالات على ورق فولسكاب داخل السجن.... ثم هربناه وقام زملائنا بالخارج بلصقها على أفرخ من الورق المقوي وعمل التخطيط العام لمجلة الحائط.
· صنعنا مجموعات من لعبة الشطرنج من لبابة الخبز بالسجن.
· سرقنا دفترعنبر السجن الداخلى ومدون به أسماء المسجونين ومدد الحبس والتهم..... وكتبنا مقالات متنوعة عن الجريمة والظروف الاجتماعية للمجتمع.
· هربنا إلى خارج السجن بعض الكرابيج والعصي التي يحمله السجانة لضرب المساجين بالسجن.
· هربنا برش بالكامل "مصنوع من الليف"..... والذي ينام عليه السجين.....
· هربنا أروانات كانت تعطى إلينا لكي نأكل فيها.
قمنا بإعداد معرضًا كاملاً متكاملاً........ هربناه مع الملابس المتسخة التي كنا نعطيها للأهالي عند الزيارة.....، كانت إدارة السجن تفتش جيدًا الشنط الداخلة إلى السجن..... ولم تكن تلقى أية نظرة على الشنط الخارجة من السجن والتي كانت تحتوي على محتويات المعرض... كنا نخفي الألوان الفولوماتسر والفرش والأصباغ اللازمة للرسومات عند المساجين الجنائيين.. كان هناك خطة عمل متكاملة لعمل المعرض، كان يشرف علينا أحمد عبد الله رزه.......
الطلاب يخاطبون بعضهم من شبابيك الزنازين حول المعرض.... وماذا أعد؟ وماذا يتم إعداده؟ باللغة الانجليزية حتى لا يفهم الحراس ماذا يقولون؟.........
من أوائل فبراير وحتى منتصف مارس كانت لجنة إعداد المعرض تعمل بهمة ونشاط.. حتى خرج المعرض وتم نصبه في حرم جامعة القاهرة على مجموعة من الحبال.... كل حبل مربوط بين نخلتين..... علقت الفانلات والتيشرتات بالمشابك... و كذلك ملاءة السرير الكبيرة ومجلات الحائط.. والبرش... ولوحات الشطرنج على الأرض... الخ
... كان معرضًا ضخمًا.... وفكرة جديدة:
مقالات حائط ورسومات بأسماء طلاب داخل السجون يا للعجب يا للعجب...
ألتف جمهورالطلاب حول المعرض.. وطافت بالحرم وعند النصب التذكاري أضخم مظاهرة في 21 مارس 1973 تطالب بالإفراج عن الطلاب المعتقلين....
وهنا جن جنون ممدوح سالم وكان وقتها وزير الداخلية..... ومن ملاءة السرير عرف أن هذا المعرض خرج من سجن القناطر... فقام وزير الداخلية بمعاقبة إدارة السجن بكامل أطقمها بعقوبات شديدة... وعرفنا بعد ذلك أنه قال لهم:-
بقى أنا ساجن الطلبة علشان ما يعملوش مجلات حائط...... يقوموا يعملوا مجلات حائط جوه السجن ويهربوها بره السجن ويعلقوها في ساحة الجامعة... يبقى أيه فايدة السجن؟
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (الصدام و الحريقة)
!!!

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة