الجمعة، 5 مارس 2010

الحلقة الحادية عشر : سجن القناطر من 11 فبراير الى 3 اكتربر 1973

سجن القناطر
11 فبراير 1973 – 3 أكتوبر 1973
مازالت المظاهرة تسير في حواري الجيزة... الليل بدأ يزحف وغابت الشمس.... وقرر الزملاء إنسحابي من المظاهرة لمواصلة العمل فى البوم التالى.... لكن الأمن كانت عيونه ترصدني بدقة..... سرت على الجانب الأيمن للمظاهرة.. أنسحبت إلى شارع جانبي أنا وطارق صلاح ( أحد زملائي بكلية الهندسة)....
وما إن سرنا عدة أمتار في الشارع حتى أندفع نحونا شخصين كل منهما في وزن ثور..... جرينا بسرعة.... عرجنا وتعرجنا في العديد من الشوارع والحواري والثوران من خلفنا..... إلى أن اتسعت المسافة بيننا وبينهم بدرجة كبيرة وفي إحدي التعريجات ولسوء حظنا دخلنا في شارع مسدود.... ولم ندرك أنه مسدود إلا في منتصف الشارع.. كانت قدمانا تسابق الريح ولكن الوجه كان دائمًا ينظر إلى الأرض..... وكان الثوران في الشارع العمودي على الشارع المسدود وشاهدونا ونحن ندخل إليه... ولما وجدنا الشارع مسدود لم يكن هناك مفر أمامنا إلا دخول أحد المنازل وعدم الرجوع للخلف فالثوران آتيان... وبالفعل دخلنا أحد المنازل قبل إن يحضر الثوران إلى قمة الشارع المسدود... صعدنا إلى الدور الأول طرقنا بعنف على الباب... خرج إلينا صاحب الشقة قلنا له:
أحنا من مظاهرة الطلبة والبوليس يطاردنا... ياريت تدخلنا عند سيادتك لمدة خمس دقائق.. لحد ما يمشوا...
وعينك ما تشوف إلا النور... صاحب الشقة رزع باب الشقة وقفله في وشنا.... قائلاً: بوليس... ونروح أحنا في داهية...
صعدنا دورين إلى أعلى وكررنا المحاولة مع شقة ثانية وطرقنا الباب... خرجت إلينا شابة سنها "22 – 25 سنة" .....قلنا لها نفس ما قلناه لصاحب الشقة أسفلها... فتحت لنا الباب وقالت وهي مرتبكة:-
- أدخلوا انتوا زي أخواتي برضه..
دخلنا إلى الصالة... ومن شدة التعب جلسنا على الأرض ونحن نتنفس الصعداء وننهج بشدة...
فوجدناها تقول لنا:
- معلش أنا ممكن أستضيفكم لمدة ربع ساعة فقط... لأن أنا عروسة ولسة متجوزة جديد..... ولوجه جوزي هيتخرب بيتي... أنا أخواتي معاكو في حركة الطلبة... بس جوزي ما يفهمش حاجة في السياسة...
شكرنا هذه الفتاة العظيمة... وقلنا لها افتحي شباك البلكونة وأوصفي لنا ماذا يدور في الشارع... خرجت.. ووقفت على سور البلكونة لمدة خمس دقائق.. وجاءت وقالت لنا:
مفيش حد في الشارع... غير اثنين زي الثيران واقفين على رأس الشارع... واحد لابس بنطلون أزرق وبلوفر بني.. والتاني تقريبًا نفس اللبس... عرفنا من كلامها إنهما الثوران اللذان كانا يجريان خلفنا... وإنهما حينما وصلوا إلى قمة الشارع ووجدوه مسدودًا و لم يجدوا أي أثر لنا... استنتجوا إننا مختبئين في أحد المنازل... لكنهم لم يحددوا في أي منزل دخلنا.. لذا فهم وقفوا على قمة الشارع في إنتظارنا...
شكرنا الفتاة... وقررنا الإنصراف حتى لا نضرها... بعد أنا شربنا كوبين من الماء.... قلت لزميلي: هيا بنا نصعد إلى سطح المنزل... سننام على السطح حتى الصباح... والثوران لن يستطيعا تفتيش كل بيوت الشارع... فالشارع طويل....... صعدنا نحو الدور الأخير لكن السلم لا يصل إلى السطح... السلم مغلق على الدور الأخير... جلسنا لفترة طويلة على بسطة وسلالم الدور الأخير... أخيرًا أدركنا الإرهاق والتعب قررنا الخروج من المنزل وإحنا وحظنا.
وما أن خرجنا من المنزل.. حتى توجه الثوران نحونا...
كل منهما يمسك بطبنجة: أوعى حد يتحرك... هنضرب في المليان..
استسلمنا ووقعنا في أيديهم... حاصرونا... كل منا في ناحية..... ظهره إلى الحائط ومحاط بنصف دستة من الثيران... أشحت بنظري إلى أعلى وجدت الفتاة الكريمة واقفة في البلكونة وهي تبكي... فرت الدمعة من عيني.. لكن بعض دقائق وجدت نفسي محشورًا في تاكسي مغمي العين وأجلس قرفصاء في دواسة عربةملاكى.... وأقدام الثيران فوق جسدي..... وكمامة أخرى على فمي.. لكن السيارة كانت تسير قريبة من المظاهرة فكنت أسمع الهتافات:
أصل الوالي يا ناس مش داري ....... بهم الفقرا في الحواري
شربوا الفقرا المر سنين ....... يا ما ليالي باتوا جعانين
شربوا المر وشربوا القهر ..... وبيستلفوا طول الشهر
حينما سمعت صوت المظاهرة أدركت لماذا تم وضعي في الدواسة تحت الأقدام... لأنه لو كنا جالسين في السيارة وشاهدنا زملاءنا في المظاهرة لأنتزعونا من بين أياديهم... خارج السيارة... طارق فى الدواسة الأمامية، وأنا فى الدواسة الخلفية..
ودخلنا إلى مبنى المباحث بشارع جابر حيان المجاور لحينا... حينما دخلت هذا المبنى.. تذكرت كل ما حدث في حادث مجلة الحائط "مجلة من صنع أيدينا"...... تذكرت عادل آدم وفريد عبد الكريم وشخير الضباط ...دوارة سنين الزمن دوارة... سمعت صوت المخبرين مهللاً بفرح:
قبضنا كمان على أحمد شرف الدين.. وصوتًا لضابط آخر:
كمال خليل وأحمد شرف في ليلة واحدة... يادي الهنا...
لم نمكث طويلاً بمنى جابر بن حيان "فرع مباحث أمن الدولة بالجيزة و كان وقتها يختص بالدرجة الأولى بطلبة جامعة القاهرة"..... تم ترحيلنا بسرعة إلى مبنى مباحث أمن الدولة – فرع القاهرة – بميدان لاظوغلى...
وكانت أعداد المقبوض عليهم بالعشرات... وضعنا أنا وأحمد شرف الدين وطارق صلاح بأحد الزنازين في بدروم لاظوغلي... استدعيت لأحد الدور العلوية... دخلت إلى أحد الحجرات.. عاملونى بلطف "...طبعًا في البداية"...
أجلسوني على كرسي أمام مكتب كبير يجلس عليه حوالي أربعة من ضباط أمن الدولة... وضابطان من الخلف وباب الغرفة في ظهري.... بدءوا الحديث تشرب إيه؟ شاي قهوة سجاير... أقولك بلاش الكلام ده... أحكي لنا عن نفسك.
كانت هذه أول مواجهة بيني وبين كلاب أمن الدولة.. بادرتهم بالقول:
- أنا ساكن في الدقي القديم..... وكنت عضو في منظمة الشباب... والحكاية والرواية.. "وأي كلام فارغ كنت عمال أقوله بعيدًا عن الدخول في أي موضوع عن الطلبة وزملائي اللي كانوا هاربين معايا... كان هذا كل شاغلي... ألا أتحدث عن زملائي... ولا عنوان الشقة التي بها الهاربين"...
وبدأت الأسئلة تطاردني:-
فين طلعت فهمي؟ فين عماد عطية؟ فين حلمي المصري؟ كنت هربان معاهم فين؟
وأنا أجيب كل مرة:
- أنا ما عرفش حد أسمه طلعت.. أنا م الدقي القديم... وأنا كنت عضو في منظمة الشباب... الخ...
وأكرر ذلك في كل مرة وأزيد عليه أية معلومة هايفة... لدرجة أن أحد الضباط وقف يصرخ في وجهي:
- خلاص يا أبن الكلب.. عرفنا أنك أنت من الدقي القديم... . وعضو في منظمة الشباب... خلاص... قول حاجة جديدة... خلاص أنا ورمت...
وبدون أن أدري كان الباب من خلفي قد فتح... وفي لمح البصر وجدت كفًا غليظًا ينهار على قفاي من الخلف... وعندما ألتفت خلفي أنهارت على وجهي مجموعة من الأقلام... ومن الخلف مجموعة من الشلاليت وبعد هذه العجنة بادرني من ضربني من الخلف "والذي استنتجت أنه قائدهم":
هتنكر يا أبن الكلب أنك كنت في المظاهرة... أجيب اللي كان شايلك... وأشار بيده على أحد المخبرين التابعين له... وكان يرتدي بنطلون بني وفانلة بيضاء.. وفعلاً هذا الشخص كان يحملني في المظاهرة.... وكاد يسلمني لعساكر الأمن المركزي.... لولا إننى أدركت في اللحظات الأخيرة أنه مخبر مندس وليس طالب..... فضربته من أعلى على رأسه وإذنيه.... ومن أسفل بقدماي في منطقته الحساسة فإ ستطعت أن أفر من بين يديه" وهو يحملني "لشدة الألم الذي أصابه.. لقد كان فعلاً يحملني في وسط المظاهرة... ولما هاجم أمن المركز الطلاب جرى الطلبة إلى الأمام أما هو فقد ثبت في مكانه... وأصبحت أنا وهو على بعد أمتار من عساكر الأمن... وأنا أصرخ فيه.. "نزلني يا صاحبي.. نزلني يا صديقي"... وهو ثابت... حينها أدركت أنه لا صاحبي ولا صديقي فضربته من أعلى ومن أسفل... وهربت من بين يديه مندفعًا نحو زملائي الطلاب.
عجنة من الأقلام على الوجه والقفا مع مجموعة من الشلاليت.. أدركت فيها أننا قد بدأنا ندخل في الجد...
صرخت منفعلاً وباكيًا قائلاً لقائدهم:
- أنا مش أبن كلب.. أنت أبن ستين كلب... يا أبن ويا أبن..... أيوه الكلب ده كان شايلني... بس مقدرش يمسكني...
أنا مش خايف.... أيوه كنت في المظاهرة..أيوه أنا ضد السادات.. وضد إسرائيل...
ولو كنت جدع يا حضرة الضابط واجهني راجل لراجل... بتتحاما في المخبرين بتوعك يا خول......
كنت وقتها طويلاً نحيفًا لا يزيد وزني عن 52 كيلو جرام... بالطبع شعرت بالإهانة الشديدة عندما صفعت على القفا والوجه.. وكان هذا العامل الأساسي وراء بكائي...... لم يكن بكائي تعبيرًا عن أنهيار وتخاذل...
لكنه كان بكاء مع تحدي.. وهذا هو ما عملته لي الحارة التي تربيت فيها.. حينما كنا نتشاجر وتكون وسط المعركة ضعيفًا والخصم قويًا...غير مصرح لك أن تستسلم... أبكي وأضرب وقاوم..... لكن غير مقبول أن تستسلم..... هذا ما جعلني أخاطب قائدهم بألفاظ نابية... وأنا أبكي... ورغم بكائي إلا أنهم شعروا بقوتي رغم هزال جسدي...
أما الأهم عندي في هذه اللحظة... أن قائدهم بغباءه قد حول خط سير الاستجواب "من السؤال عن زملائي والمكان الذي كنت أهرب فيه.... إلى السؤال عن:
هل أشتركت في المظاهرة أم لا؟... وكان هذه شيئًا جيدًا بالنسبة لي.
وبعد عجنة الأقلام والشلاليت بدأ الضباط يوجهون الأمر إلى الدفة الأخرى "ترهيب ثم ترغيب ثم ترهيب وهكذا...
- لا.. لا.. يا ماجد بيه... كمال طيب وهيتكلم... وهيقول على كل حاجة...
"عرفت بعد ذلك وبعد حبسات كثيرة أن قائد هؤلاء الضباط والذي صفعني من الخلف... والذين يقولون له ماجد بيه... هو ماجد الجمال أحد الجنرالات الكبار(وقتها) في جهاز مباحث أمن الدولة ......
بعد أن جفت دموعي وهدأت جلست صامتًا تمامًا... لا أنطق بأي كلمة.... يسألون وكأنني لا أسمع.....
وأخيرًا قال أحدهم: نزلوه الزنزانة تحت.. لما نشوف أخرتها إيه؟!!
نزلت إلى الزنزانة، وحكيت لأحمد شرف كل ما دار بيني وبينهم... فأخذ ينصحني ويعلمني:
القانون بيقول جهاز مباحث أمن الدولة سلطة تحريات وضبط وإحضار..... ليس من حقهم أن يجروا معك أية تحقيقات... التحقيقات قدام النيابة وفي مبنى النيابة مش في مبنى مباحث أمن الدولة...
وتعلمت على يد آخي أحمد شرف "رحمه الله" أول الدروس في قصة "مواجهة سلطات التحقيق....
" أستعدوني مرة ثانية..... فجلست أمامهم قائلاً بكل ثقة:
- مش ها أجاوب على أي سؤال... أنا عايز النيابة.. القانون بيقول أن النيابة هي سلطة التحقيق... أنتم سلطة تحريات وضبط وإحضار.
ضحكوا وقالوا لبعضهم: أحمد شرف حفظه الكلمتين...
قالوا لي: أحنا عارفين أنك من الدقى القديم وكنت في منظمة الشباب ....وبعدين....
قلت لهم: لا... أنا مش الدقى القديم ..... أنا عايز النيابة..
أنزلوني ثانية إلى الزنزانة.. حكيت لأحمد شرف ما حدث.. قالي: كده كويس.....
بعد دقائق أستدعوا أحمد شرف وصعد إليهم.. أما أنا فأخذوني إلى غرفة ثانية بالمبنى.....
وأجلسوني أمام وكيل نيابة أخذ يسألني بعد أن أطلعني على كارنيه النييابة... فقلت له:
التحقيق لازم يكون في مبنى النيابة مش فى مبنى مباحث أمن الدولة... كان الرجل رقيقًا مهذبًا... وتعامل بلطف... في النهاية دخلت التحقيق معه واعترفت بعنترية وإعتزاز شديد بأني كنت في مظاهرة ميدان الجيزة ........... ودافعت عن حق التظاهر..... وسألني المحقق عن جميع الزملاء الهاربين... فقلت له: أنا ما أعرفش حد.. أنا من الدقي القديم وما أعرفش حد من الجامعة.. ضحك وكيل النيابة وقال لي:
.......................... أنت متهم بقلب نظام الحكم...................
قلت له:
بالذمة فيه واحد وزنه 52 كيلو جرام يقدر يقلب نظام حكم مدعم بالدبابات والطائرات والمخبرين...
ضحك وكيل النيابة وأمر بحبسي 15 يوم.. عندما قابلت أحمد شرف في عربة الترحيلات وحكيت له ما حدث.. نهرني قائلاً: أنا مش قلت لك لا تدخل التحقيق إلا في سرايا النيابة..
قلت له: وأنا أعرف منين سرايا النيابة ده...
قال: وكمان لازم يكون معاك محامي... وميكونش فيه أي ضابط أمن دولة جوه غرفة التحقيق... حسيت أني حمار... بس عذرت نفسي وقلت أكيد طلبة الحقوق معرفتهم أكثر في المسائل ده من طلبة كلية الهندسة... لكنني أدركت بعد ذلك أن هذه المسائل على درجة كبيرة من الأهمية ولا ينبغي تقديم أي تنازل فيها... ولازم يعرفها كل مواطن لإننا في دولة بوليسية...
سارت بنا عربة الترحيلات في ظلام الليل.. قال لي أحمد شرف بعد فترة وبعد سير العربة على كورنيش النيل..... "إحنا رايحيين سجن القناطر"..
دخلنا سجن القناطر في حوالي الساعة الحادية عشر مساءًا.... ودخلنا إلى أحدى الزنازين مع أحد الطلاب المعتقلين والذي كان محبوسًا حبسًا انفراديًا.. وكان صوتنا منبوح.. وأخذ الطالب يقول بصوت عالي ليسمع الزنازين المجاورة:
- يا جماعة وصل زملاءنا أحمد شرف الدين حقوق القاهرة... وكمال خليل هندسة القاهرة...
سمعنا أصوات زملائنا من الزنازين المجاورة ........أيه أخبار الجامعة؟!!
الجامعات نامت ولا أيه؟!!
حينما أخبرنا زميلنا الطالب ليقول للزملاء:
كمال وأحمد صوتهم منبوح... وهمه جايين من مظاهرة ضمت أكثر من 6 آلاف طالب خرجت من الجامعة القاهرة لميدان الجيزة.
أنقلب حال السجن إلى فرح شديد وهتافات بعد أن كان صامتًا كئيبًا... حيث أعتقد البعض أن الحركة تراجعت ولم يتحرك الطلاب للتضامن مع زملائهم المعتقلين.. صخب شديد... وسلامات وفرح من داخل الزنازين المغلقة.... وبعد ساعات رحت أنا وأحمد شرف في نوم عميق عميق.. نوم الزنازين على البرش... نوم العوافي يا مصر في جمهورية سجن القناطر الديمقراطية...
معرض يتم تهريبه من سجن القناطر إلى الحرم الجامعي
من ليلة 11 فبراير 1973 إلى صباح 3 أكتوبر 1973 :
"سبعة شهور وإثنان وعشرون يومًا".... أمضيتها بالتمام والكمال داخل سجن القناطر.......
عدا عشرون يومًا من هذه الفترة تم ترحيلي فيها إلى سجن القلعة وحبسي انفراديًا وضغوط وتحقيقات بنيابة إمبابة.... ثم عدت بعدها ثانية إلى سجن القناطر... وشهر أخر رحلنا فيه جميعًا لسجن طره لأداء إمتحانات نهاية العام .
واحد يا ورد.. أثنين يا فل... تلاتة يا ياسمين..
أربعة يا أجدع ناس معلمين.... خمسة يا أفندية وإختلاسات مالية...
ستة يا زهرة شباب الحركة الوطنية.. سبعة يا باشا..
ثمانية يا أجدع ناس حشاشة... تسعة يا شاكوش..
عشرة والقضية طلعت فاشوش...
أعرفكم يا أخواني... أن أخوكم.. محمد زرجينه.. خارج بكرة.... بعد عشرة سنين جدعنه ف جدعنه..
وعقبالكم وعقبال عندنا يا حبايب...
كان هذا نشيد العنبرة....... الذي يطلقه السجناء الجنائيون ليلة الإفراج عنهم وإطلاق سراحهم بعد انتهاء مدة العقوبة.. وهذا النشيد يتنوع من سجن إلى سجن.. وتدخل عليه تعديلات كل فترة من المساجين الجنائيين ....الأمر يحتاج إلى دراسة وتحليل...
.. العنبر وأغاني حراس الليل على أسوار السجون في ظلمة الليل:... فلكلور شعبي...
حينما يمر ضابط بجوار الأسوار العالية في نوبة مرور تسمع أصواب غفر الليل:
"كنجي – برنجي – شنجي".... وهي أسماء تطلق على ترتيب دورياتهم،... وترتفع أصوات الحراس :
"واحد تمام... اثنين تمام.. ثلاثة تمام.. أربعة تمام.."
في نغمة موسيقي عالية.....
وبعد رحيل الجنرال.... وفي جنح الظلام تستمع إلى غناء الغربة والأوجاع لمجند من الصعيد يحرس أسوار السجن......
السجن ليس أبواب وسلاسل وأسوار عالية... السجن هموم وشجون وأحزان وتضامن و صحبة................ في السجن ينكشف معدن الإنسان.. الجنائيون بشر دفعتهم الظروف الاجتماعية القاسية إلى الجريمة..
السياسيون بشر دفعتهم الديكتاتورية الحاكمة وإستبدادها إلى داخل السجون.. في السجن دائمًا يلتقي السياسي والجنائي كل منهما جاء إلى السجن بأسباب ودوافع مختلفة.
في ظلال الفرحة... أنطلق صوت من أحد الزنازين قائلاً:
العزيق... العزيق يا صدقى... والعزيق هى قصيدة للشاعر سيد حجاب ..... أما صدقي فهو أحد طلاب كلية الهندسة بجامعة عين شمس، والذي لم أراه منذ حبسة سجن القناطر(فينك ياأخويا ياصدقى)..........
.. كان صوته جميلاً وشجيًا... ويغني من أعماق قلبه... أين أنت يا صدقي؟؟ وأين جسارتك وصوتك العذب...
ومن على شباك الزنزانة أنطلق صوت صدقي كالهدير داخل السجن:
وهبت عمرى للأمل ولا جاشى
وغمرت غيطى بالعرق ما عطاشى
ورعيت لمحبوبى هواه ماراعاشى
والليل عليا طويل وأنا العليل العليل
راضى الطبيب لكن دواه ماراضاشى
والصبر فين؟....الصبر فين؟...
الصبر فين ياسنين طوال وليالى
عيتى على الجمل الأصيل العالى
لما ينخ بحمل من أحمالى
لكن فى كل صباح ...بأنسى الجراح
وأنقش بفاسى ع الغيطان موالى......
ياليل ياعين.....ياليل ياعين....
ياليل ياعين ياأرض يامعشوقة
ياكاشفة من فوقك بذور مرشوقة
غنيت وفى المغنى فرضى للسمرة أرضى
هيه اللى باقية ع الزمان معشوقة
والعشق زين......العشق زين
العشق زين بس الهموم سباقة
والشوق حريق بس الغيوم خناقة
مشتاق أنا والحلوة مش مشتاقة
أمتى تطول العيدان دا من زمان
والذل شين....الذل شين
الذل شين والأرض بكر عافية
يوم الحصاد وعروسة متحنية
لو شفتها بالقمح متغطية
هاأفرد عبايتى وأقابل أم السنابل
وهاأضم أملى بعد شوق
والذل شين الذل شين
وأنا بالأيدين المعروقين يامناجل
هاأنزل بشومتى ع الغراب الحاجل
ويايبقى شغل وغنى طول السنة
ياتبقى ثورة فى الصدور ومراجل
والوعد دين.......الوعد دين......الوعد دين.......
بعد إنتهاء صدقي من الغناء سألت عن صاحب القصيدة... وعرفت أن هناك رطبًا جديدًا غير رطب نجم وأمام..... وفرحت جدًا لأني وصلت إلى السجن مع زملائي... أكيد ها أتعلم حاجات جديدة... وأ كتشف العالم اللي بأبحث عنه.. بعد ذلك سمعت قصائد في غاية العبقرية والجمال.. سمعت صوت الشاعر محمد سيف وقصائده التي أحسست إنها خرجت من أحشاء حينا الشعبي.......
"الفاتحة له... عاش زي دكر النحل.. مات زي دكر النحل..."
وشارع الرويعي... وغيرها وغيرها.. آه كم أفتقدك يا سيف... لم أراك منذ هذه الحبسة... أين أنت يا سيف وأنت تحاور تراب حارتك:
"ماظني... أن الكهارب اللى والعة فى القصور دى.. مسروقة من نور عين حواريكي.. اللي أزاز فوانيسها بالأعوام يبات مكسور.."
" وباعوا الكوليرا للفقراء.."
ما أحوج إضرابات العمال الآن في عام 2007 , 2008 , 2009 إلى أشعارك يامحمد ياسيف...
بعدها كانت أشعار شاعر مدينة المنصورة زكي عمر "رحمه الله"..
لقد أبكى الجميع بقصيدته "وقفة أمام قبر أمي".....
"صدق صوت الشارع... والشاعر أصدق صوت إن قال... أديني برودة "يا خال.. خدني مني الكلمة وأديني بنادق... خد مني البيت العالي وأديني خنادق... خد مني مالي وكل عيالي...دا نفسي ولو مرة أكون البادئ"
وقصيدة "لما تبقى الكلمة لجل الكلمة بس... تبقى خيبة ولازم نتكتم وتسكت"
رحمك الله يا زكي عمر... لم أراه منذ هذه الحبسة.. سمعت أنه مات غريقًا في بحار اليمن... أنقذ طفلته من الغرق ومات هو غريقًا.... ما أحوجنا اليوم أيضًا إلى طباعة ديوان شعرك....آه يا زكي يا عمر...
كنا حوالي سبعون طالبًا من كليات وجامعات مختلفة، وضع كل خمسة منا في زنزانة صغيرة"..... كان الزملاء بالسجن يشكلون "حياة عامة مشتركة" للجميع، وكان يدير الحياة العامة عدة لجان من الطلاب:
لجنة خاصة بتجميع المأكولات والأغذية والسجائر وتنظيم الزيارات وتوزيع الطعام بالتساوي على الزنازين الأربعة عشر وكانت تسمى بلجنة الإعاشة.....
لجنة ثانية خاصة بتنظيم الندوات السياسية والثقافية داخل السجن... وتنظيم الإذاعة المسائية وكانت تسمى اللجنة الثقافية....
ولجنة ثالثة كان مهمتها الاتصال بإدارة السجن وتوصيل مطالب المعتقلين للإدارة وكانت تسمى "لجنة الإدارة
أما اللجنة الرابعة فكانت لجنة المعرض والتي شكلت جميع معالم الحبسة وفجرت معركة كبرى وعلقة ساخنة داخل سجن القناطر..
لقد سار عمل اللجان الثلاثة الأولى بشكل منتظم وجيد، فقد كانت تصادر الأغذية بكل زيارة بشكل كامل ويتم توزيعها على الزنازين بالتساوي مع عمل مخزون إستراتيجي من المعلبات والسجائر، وكانت الحياة وافرة...
كما تم عقد العديد من الندوات الهامة داخل السجن، وكان الصراع السياسي بين الفصائل المختلفة على أشده، فريق يتهم الأخر باليمينية... وفريق يتهم الآخرين بالطفولة اليسارية.... وفريق يدعي أنهم هم الوحيدون أصحاب الخط الصحيح وما عداهم فهو إنتهازي يميني وطفل يساري... وصراعات مع إدارة السجن.... ونقاشات مطولة عن طبيعة إدارة السجن.. هل هي تعبير عن السلطة الحاكمة؟ أم هناك استقلال نسبي بينهما؟؟
أما أخي الفاضل العزيز "تيمور الملوانى رحمه الله" فكان يطالب إدارة السجن بالإستحمام بالماء الساخن وشاكس معهم طويلاً على ذلك..... فقالوا له: لدينا حمام بخار... فذهب معهم وأدخلوه أحد الغرف والتي بها فتحة مستديرة بالسقف..... وقالوا له: أخلع ملابسك سوف يدخل عليك البخار الساخن من هذه الفتحة......
أنتظر تيمور طويلاً بعد أن أغلقوا باب الغرفة في انتظار البخار الساخن الذي لم يأت.... بعد ربع ساعة صرخ:
يا شاويش فين البخار؟
أجابه الحارس من الخارج... مفيش بخار أنت في زنازين التأديب... وضحك تيمور بأعلى صوته قائلاً: با ولاد الكلب...
أما صديقي العزيز والمناضل "محمد الدرديري خريج كلية الطب ... أمرت إدارة السجن بوضع القيدالحديدى في أيديه وأرجله لمدة ثلاثة أيام متواصلة بعنبر التأديب... حيث مر مدير مصلحة السجون ذات يوم ليطلع على أحوال السجن فما كان من الدرديرى إلا أن يخطب خطبة شجاعة في وجه هذا الجنرال وأمام جميع المساجين: عن قذارة السجن...... وسوء أحوال المساجين الجنائيين...... وأن العلاج الذي يكتبه طبيب السجن للمسجون الجنائي على الروشتة:....... "كوب من ماء الفول"!!!!!!!!!
"أحس الجنرال بالإهانة فأمر بوضع القيود الحديدية في أيدي الدرديري".......
عندما وصلنا السجن أنا وأحمد شرف كان هناك إضراب عن الطعام لبعض الطلاب للمطالبة بالإفراج الفوري..... وشاهدت الزميل أحمد هشام عبد القادر نحيفًا نحيفًا........ فقد كان تقريبًا قد دخل في اليوم الثالث عشر من الإضراب.. وكان هناك نقاشات طويلة عن الإضراب عن الطعام والشراب....والإضراب حتى الموت...وشروط الإضراب الناجح.........وكيف يكون الإضراب سلاح ذو حدين؟......
وكان دائمًا يطرح سؤال بين الطلاب سؤال برئ لكنه مهم:
يا ترى بعد كل مظاهرات وحركة الطلاب..... الثورة هتكون بعد كان سنة؟!!!
... كان بعض الطلاب يراها بعد ثلاث أو خمس سنوات بالكتير...... والبعض كان يرى أن الحركة ما زالت في أوساط الطلاب والطلاب لا يصنعون ثورة..... لذا قالوا: الثورة بعد 25 سنة..
أما أنا فكنت من أنصار "الثورة أهي جاية.. حتى ولو في القرن الـ 100"
كنا وقتها في القرن العشرين "عام 1973"........ هانت فاضل 80 قرن بس!!!
وكان أيضًا في أوقات التهريج يطرح سؤالا بريئا وخبيثا فى نفس الوقت:
"يا ترى مين من السبعين طالب هيستمر في الكفاح من أجل المبادئ والثورة؟.... ومين هيخون؟..... ومين اللي ها يترسمل؟.... ومين اللي هايبعد ويقول ماليش دعوة؟.... ومين؟... ومين؟.. ومين؟..."
كنا نجيب عليها بشفافية؟ وكانت الإجابة تعكس وجهة نظر كل منا في الأخر..
وكان كل منا يعتقد أنه الثأئر الوحيد..
كنا حوالي سبعين طالبًا بسجن القناطر، وتقريبًا مثلهم بسجن الاستئناف ومثلهم بسجن طرة، وما يزيد عن عشرين طالبة تقريب بسجن القناطر نساء، وأستمر الإضراب عن الدراسة بهندسة القاهرة حتى أواخر فبراير، كما استمرت المظاهرات التي تطوف بالحرم الجامعي حتى 21 مارس، واستمرت حلقات النقاش حوال مجلات الحائط بكافة الكليات...
في السجن تعرفنا على "التوتو" وهو موقد من الكيروسين والشرائط... أخترعه المساجين الجنائيين ويتم تصنيعه داخل السجن من المعلبات الفارغة، ويستخدم في طهي لا الطعام وعمل الشاي.....
كما تعلمنا كيف تقطع السيجارة إلى عدة قطع بالموس ونضع كل قطعة وندخنها في مبسم صغير...
معلمين صغار.... "كنا نقلد الجنائيين ونقول مثلهم" إذا أردت أن تنجز عليهم بالونجز".....
والونجز نوع من السجائر كان شائعًا وأنقرض..
وكان بعض الطلاب يحاول أن يقلد الجنائيين في شرب البرشام "سبراكس وفانتوم" وفي تصنيع الهبهب من العسل الأسود "خمر مصنع داخل السجن".......
هكذا في السجن يحدث شيئًا إيجابيًا بأن يتأثر المسجون الجنائي بالأفكار والمبادئ والثقافة للمسجون السياسى......وبعض الأحيان يحدث شيئًا سلبيًا وهو تأثر السياسي بالجنائي في شرب البرشام والهبهب وخلافه..
طور أحمد شرف الدين الإذاعة المسائية من شبابيك الزنازين...... وأسماها "إذاعة جمهورية سجن القاهرة الديمقراطية".......... أصبحت الإذاعة غنية بالمقالات الناطقة التي تحلل أحداث الساعة وأخبار الخارج...
أما اللجنة الرابعة.. لجنة المعرض فكانت تعد لعمل معرضًا خاصًا بطلاب سجن القناطر.... وعرضه خارج السجن بالحرم الجامعي في جامعة القاهرة..
شكلنا لجنة من الطلاب بالخارج "والذين لم يتم القبض عليهم"..... كانت هذه اللجنة تتلقى الرسومات والنشرات التي يتم إعدادها داخل السجن وقد قمنا بعمل أشياء متنوعة:
· رسومات تعبيرية على الفانلات الداخلية أو تشيرتات 1/2 كوم بيضاء..... كانت تدخل إلينا في الزيارات كملابس داخلية...... و يتم الرسم عليها بالألوان التي هربناها من الخارج للداخل........ وكل فانلة تحتوي على كاريكاتيرأو رسمة تعبيرية أوشعار للحركة الطلابية ... الخ
أشرف على إعداد هذه الفانلات مجموعة من الطلاب الفنانين والذي كان لديهم مواهب جميلة وخارقة في الفنون الجميلة من أمثال السيد دحروج الطالب بكلية الحقوق.
· على أحد ملايات السرير البيضاء رسمت قبضة يد قوية تخرج من شباك زنزانة..... وكتب تحتها بالخط العريض :
· "النصر للحركة الطلابية...... الإفراج عن الطلاب المعتقلين"..... ووقع بأقلام الفولوماستر السبعون طالبًا كل بتوقيعه الخاص".
وأسفل كل التوقيعات كتب بالخط العريض :
"الطلاب الوطنيون بسجن القناطر"
· أعددنا عدد هام ومتنوع من مجلات الحائط الوقية... كتبنا المقالات على ورق فولسكاب داخل السجن.... ثم هربناه وقام زملائنا بالخارج بلصقها على أفرخ من الورق المقوي وعمل التخطيط العام لمجلة الحائط.
· صنعنا مجموعات من لعبة الشطرنج من لبابة الخبز بالسجن.
· سرقنا دفترعنبر السجن الداخلى ومدون به أسماء المسجونين ومدد الحبس والتهم..... وكتبنا مقالات متنوعة عن الجريمة والظروف الاجتماعية للمجتمع.
· هربنا إلى خارج السجن بعض الكرابيج والعصي التي يحمله السجانة لضرب المساجين بالسجن.
· هربنا برش بالكامل "مصنوع من الليف"..... والذي ينام عليه السجين.....
· هربنا أروانات كانت تعطى إلينا لكي نأكل فيها.
قمنا بإعداد معرضًا كاملاً متكاملاً........ هربناه مع الملابس المتسخة التي كنا نعطيها للأهالي عند الزيارة.....، كانت إدارة السجن تفتش جيدًا الشنط الداخلة إلى السجن..... ولم تكن تلقى أية نظرة على الشنط الخارجة من السجن والتي كانت تحتوي على محتويات المعرض... كنا نخفي الألوان الفولوماتسر والفرش والأصباغ اللازمة للرسومات عند المساجين الجنائيين.. كان هناك خطة عمل متكاملة لعمل المعرض، كان يشرف علينا أحمد عبد الله رزه.......
الطلاب يخاطبون بعضهم من شبابيك الزنازين حول المعرض.... وماذا أعد؟ وماذا يتم إعداده؟ باللغة الانجليزية حتى لا يفهم الحراس ماذا يقولون؟.........
من أوائل فبراير وحتى منتصف مارس كانت لجنة إعداد المعرض تعمل بهمة ونشاط.. حتى خرج المعرض وتم نصبه في حرم جامعة القاهرة على مجموعة من الحبال.... كل حبل مربوط بين نخلتين..... علقت الفانلات والتيشرتات بالمشابك... و كذلك ملاءة السرير الكبيرة ومجلات الحائط.. والبرش... ولوحات الشطرنج على الأرض... الخ
... كان معرضًا ضخمًا.... وفكرة جديدة:
مقالات حائط ورسومات بأسماء طلاب داخل السجون يا للعجب يا للعجب...
ألتف جمهورالطلاب حول المعرض.. وطافت بالحرم وعند النصب التذكاري أضخم مظاهرة في 21 مارس 1973 تطالب بالإفراج عن الطلاب المعتقلين....
وهنا جن جنون ممدوح سالم وكان وقتها وزير الداخلية..... ومن ملاءة السرير عرف أن هذا المعرض خرج من سجن القناطر... فقام وزير الداخلية بمعاقبة إدارة السجن بكامل أطقمها بعقوبات شديدة... وعرفنا بعد ذلك أنه قال لهم:-
بقى أنا ساجن الطلبة علشان ما يعملوش مجلات حائط...... يقوموا يعملوا مجلات حائط جوه السجن ويهربوها بره السجن ويعلقوها في ساحة الجامعة... يبقى أيه فايدة السجن؟
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (الصدام و الحريقة)
!!!

ليست هناك تعليقات:

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة