الثلاثاء، 5 يناير، 2010

هؤلاء تعلمنا منهم ... الحلقة الثالثة

الحلقة الثالثة

هؤلاء تعلمنا منهم  
1-الدكتور محمد أنيس :
أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة...وفدي قديم...أعتقد أنه كان ينتمي للجناح اليساري في حزب الوفد (الطليعة الوفدية )...كان يحدثنا عن الإشتراكية ودور المثقف الثورى تجاه الكادحين .. كان ( رحمه الله) يسكن فى شارع جابر بن جيان المجاور لحينا.. ألتقى بجيفارا ثائر أمريكا اللاتينية حين زار القاهرة.. ما أتذكره أن الدكتور أنيس كان ضد منهج حرب العصابات فى العمل الثورى ,كان يتحد ث أمامنا عن الظروف الموضوعية ونضج العملية الثورية....
وكنا نسمع كلماته بأعجاب شديد رغم أن عقولنا فى هذه الفترة كانت خاوية ..أكن له الكثير من الأحترام وأعترف بفضله على فى دفعى للعمل الجماهيرى.
وكان الرجل في عام 1969 من أوائل البشر الذين حاولوا زرع بذور الوعى السياسى فى شباب حينا .
2- عبد المنعم خليل :
أخى وأبى الأول .. العامل وميكانيكى الديزل.... خرج إلى سوق العمل مبكرا كى يعول أسرة من تسعة أفراد بعد وفاة الأب... نموذج فريد لمن يضحون فى صمت..حرم نفسه من التعليم من أجل أن يتعلم أخواته..... ظل لسنوات طويلة يتحمل عبئ الأنفاق على أسرة من 16 فرد :
أمه وأخواته الثمانية (9أفراد) و زوجته وأولاده السته(7أفراد) ..
"من أجل الحرية والأشتراكية..... أنتخبــوا عبـد المنعم خليل..."
كانت أول يافطة كتبتها فى عام 62أو 64 وأنا طفل على منزل " أحمد حٍِمد" صاحب الحمار الشهير.. لم أكن أعرف ماهى الحرية؟ أو ما هى الأشتراكية؟
أشتريت باكو زهرة أزرق (بتاعة الغسيل)... وأذبته فى قليل من الماء.... وبفرشاة صغيرة وسلم......كتبت هذه العبارة... لإننى كنت وأنا طفل أسمع عبد المنعم خليل يتحدث عن الحرية والأشتراكية ومجانية التعليم وقناة السويس...... لقد كان ومازال أبى الحنون....
ولقد كان أيضا الأب الروحى لمجموعة حينا.... نلجأ له وقت الشدائد.... نستعين بحنكته وخبرته...
وحينما كانت تزداد نبرة تحريضنا فى المعارك الجماهيرية .. ويشتد عنفوان الشباب...
كان يأتى لنا هامسا وبرقة شديدة:
( هدوا ... هدوا اللعب شويه)........
وحينما كانت كلاب مباحث أمن الدولة تأتى فى الفجر وتعتقل البعض منا كان يقول دائما:
" "ربنا يستر.. "
عبد المنعم خليل كان صاحب النظرة الثاقبة فى أحداث15 مايو1971:
نصحنا بعد الأنحياز لأى طرف.... لأن الصراع الدائر صراعا علويا...... وصراع سلطة ليس لنا فيه ناقة ولاجمل......
لهموم الحياة.... ولعدم قناعته بما يدور على الساحة السياسية..... أبتعد عن العمل السياسى لكن
السياسة تعيش فى وجدانه وفى ضميره ..
لم يحزن مواطن فوق تراب الوطن مثلما حزن عبد المنعم خليل حينما تم تدميرالجيش والشعب العراقى فى حرب الخليج الثانية .
3-محمد خليل :
أخى.... وأبى الثانى.... العامل وميكانيكى السيارات... ومرشحنا العمالى فى المعارك البرلمانية عام 76،79....
.. خرج مثل أخيه الأكبر عبد المنعم لسوق العمل وترك التعليم لإعالة الأسرة .. ولكنه لم يتجه لميكانيكا الديزل... بل أتجه إلى ميكانيكا السيارات.....كان من أمهر ميكانيكى الحى... لكن بعد تحسن أحوال الأسرة ظل يعمل ميكانيكيا فى الصباح وطالبا فى المدارس المسائية.. حصل على الأعدادية ثم الثانوية ثم بكالوريوس تجارة القاهرة..... كان له التأثير الأكبر لدفع كثير من شباب الحى إلى العمل السياسى .... ناصريا لايكن أى عداء للشيوعيين....... كان ظهر الحماية الحقيقى لنا حين كنا نعتقل أو نكون مطاردين من أجهزة الأمن..... تعرض لضغوط عديدة أثناء هروبنا من أجهزة الأمن( أثناء الحركة الطلابية) ..هددوه بالأعتقال إن لم يرشدعن أماكن إختفائنا ........أحضر حقيبة ملابسه وقال لزوار الفجر أنا جاهز للأعتقال.
كان يغضب بشدة حين نقول له (أن عبد الناصر قام بتصفية الحركة الشعبية).... لكنه حينما أعتقل عام 1975 وشاهد آثار ضرب الكرابيج على ظهر الرفيق والأب فوزىحبشى..........( آثار كرابيج الستينات)........
خرج من المعتقل متأثرا... وفى جلسة صفاء قال لنا:
عندما شاهدت أثار الكرابيج على ظهر فوزى حبشى أدركت معنى حديثكم عن تصفية الحركة الشعبية...... أختلف معنا فى النقاش كثيرا.....كنا نحتد معه فى النقاش.... وكان يحتد معنا ....... وكان إحتداده عنيفا.... لكنه فى النهاية... كان يصفو ..
وينظرإلينا بنظرات عاتبة ( عتاب الأستاذ على تمرد تلاميذه عليه ).... لكنه كان ديمقراطيا معنا ..
في حالات المد الجماهيرى و فى الشارع كان الأسطى محمد خليل:
" من أعظم المحرضين الجماهيريين" ..
لم أشاهد شخصا يحرض من أجل ( حق الإضــراب للعمال)..... وبلغة شعبية رائعة:
مثلما شاهدت محمد خليل يفعل ذلك فى المؤتمرات الجماهيرية عام 1976 ..
وقفت له السلطة بالمرصاد وحالت دون وصوله إلى مجلس الشعب عام 76،79.
فلو كان محمد خليل أنتهازيا لكان فعل فعلة أحد القيادين بحزب التجمع الذى أنضم للحزب الوطنى فى دائرة الدقى من أجل الحصول على مقعد البرلمان.
كان بمثل هذا الفعل الأنتهازى يستطيع محمد خليل أن يجلس على كرسى البرلمان وبسهولة.. لكن معاركه الانتخابية كانت معاركنا السياسية داخل الحى  وهذا الموقف: موقف المواجهة وعدم التنازل ورفض الخيانة من أجل مقعد تافه فى برلمان الدولة هو وسام على صدر محمد خليل .
كان محمد خليل يمدنا بالكتب ( أشعار الأبنودى).. كتاب ( الناس والعلم والمجتمع)...ومذكرات جيفار ... الخ.
ومحمد خليل الناصرى هو الوحيد فى حينا الذى كان يحتفظ بنسخة من كتاب الشيوعىطاهر عبد الحكيم ( الأقدام العارية) والذى يروى بشاعة تعذيب النظام الناصرى للشيوعيين المصريين (1959-1964)داخل مكتبته...
وكلما بدأنا نعمل مع أحد الشباب نذهب إلى محمد خليل نستعير منه كتاب الأقدام العارية... فيعطيه لنا قائلا: أشمعنى يعنى الأقدام العارية.... علشان الزبون مايبقاش ناصرى....( حسبى الله ونعم الوكيل).... ويعطينا الكتاب.
4-فريد عبد الكريم:
أمين عام الأتحاد الإشتراكى بمحافظة الجيزة حتى 14 مايوعام 1971 ....وأصلب مناضل فى سجون السادات رفض تقديم أى التماس بالأفراج عنه طوال إعتقاله وطوال حياة السادات رغم المرض الشديد الذى كان يعتصره داخل السجن......
شاهدته أول مرة عام 1970، وكنا نعرض فليما عن حرب فيتنام فى مدرسه الدقى الأعداديه المجاورة لحينا .. بعد الفيلم أخذ يخطب فريد فى جموع الشباب والأهالى الذين حضروا الفيلم .. كان خطيبا مفوها وموهوبا وكان صادقا فى كل كلماته وتعبيراته.... كان يبكى وهو يخطب... جعل الحاضرين يبكون وهو يربط فى كلماته بين أطفال فيتنام وأطفال بحر البقر.
ظل فريد عبد الكريم داخل السجن منذ عام 1971 وحتى أغتيال السادات وقابله... فى السجن الكثير من الطلاب المعتقلين .. كنا نخرج من المعتقل وبعد عام نعود ثم نخرج ثم نعود وفريد داخل المعتقل صلبا شامخا .. يستفسر منا عما يدور بالخارج .. ويبعث إلينا بالطعام داخل الزنازين... كان ناصريا متقدما ... وصل إليه داخل السجن عام 1975 برنامج ( الحزب الشيوعىالمصرى) رفض
فريد البرنامج بأعتباره برنامج يمينيا... وعندما قرأنا البرنامج كان رأينا فيه يتطابق مع رأى فريد عبدالكريم .
وكان البرنامج غاية فى اليمينية والانتهازية والتشويش كعادة كافه البرامج والأراء للحزب
الشيوعى المصرى... فريد عبد الكريم (وفى هذا الزمن التعيس) شخصا يندر أن يوجد أمثاله فى الصلابة والنقاء وفى قبول التضحية بنكران الذات والتواضع الشديد
حين كان يبكى فريد وهو يخطب وتدمع عينيه ترى فى عينيه :.... أنين أمة وجروح شــعب .
عـــادل آدم :
أمين عام منظمة الشباب حتى 14 مايو عام 1971 ظل فى سجون السادات 5 سنوات صلبا وقويا كصلابة فريد عبد الكريم.. مجلة الجماهير بمحافظة الجيزة كانت من ثمار عمله الهادئ والدوؤب.. كان يحاضرنا فى محاضرات التثقيف عن تطور المجتمعات والمشاعة البدائية والمجتمع العبودى والإقطاعى، والرأسمالى .. تعاملنا معه فترات قصيرة لم نحس يوما ما أنه رجل سلطة.. وقع لنا بإمضائه وموافقته على ظهر فرخ من الورق المقوى بتوقيع ( يصرح بالنشر).... وكان الفرخ خاليا.... ولما سألنا ماهى محتويات المجلة ؟.... قلنا له إننا مازلنا نعد المقالات، أبتسم وفى هدوئه المعتاد قال: ( والله بينكم هاتودونا فى داهية).... وختم لنا ظهر المجلة الخالية بختم منظمة الشباب.. خدعناه عن غير قصد وقمنا بإستغلال توقيعه ( يصرح بالنشر) وملأنا مسطح المجلة بمقالات تهاجم الأتحاد الأشتراكى وتهاجم عبد الناصر ذاته، وحينما قبض علينا.... وقف بشهامة الأخ الكبر إلى جانبنا....رغم خداعنا له فإنه قام بحمايتنا من الأعتقال عام 1970، وحتى حينما خرجنا من مبنى مباحث أمن الدولة بالجيزة لم ينهرنا ولم ينطق حتى ولوبكلمةعتاب...........(رحمك الله يا أبن أدم)
ألدكتور/ محمد أنيس أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة
العامل / عبد المنعم خليل ميكانيكى الديزل وأمين قسم الدقى الإتحاد الإشتراكى ( حتى عام 71)
العامل / محمد خليل ميكانيكى السيارات وأمين عام التنظيم بمنظمة الشباب ( حتى عام 71)
المحامى / فريد عبد الكريم أمين الأتحاد الأشتراكى بمحافظة الجيزة( حتى14مايــــو عام 71)
المهندس / عادل أدم أمين منظمة الشباب بمحافظة الجيزة( حتى14مايــــو عام 71)
هؤلاء جميـــعا
كانو ا بالنسبة لمجموعة الشباب بالحى المصادر والمنابع الأولى للوعى السياسى.
بالنسبة للكتور محمد أنيس فإن أول مرة شاهدته داخل حينا كان هو ومحمد خليل ومجموعة من شباب الحى يقطعون أحد أكوام القمامة بالحى بالفئوس والمقاطف .. ولما عرفنى عليه محمد خليل.......
سألنى: أنت فى كلية أيه؟ قلت : كلية الهندسة... فنظر إلى بأشمئزاز وقال :
· أزاى المتعلمين والمثقفين فى الحى ينعزلوا عن مشاكل الجماهير ويعملوا فيها أفنديات.. فوقفت أمامه حائرا أشعر بالخل من الرجل.. أزاى دكتور الجامعة واقف فى قلب الحى ماسك الفاس يقطع أكوام القمامة مع أنه من خارج الحى و القمامة من صنع أيدينا !! وعلى الفور توجهت إلى أحد الفئوس وتوجهت للعمل مع الأخرين فنادانى وقال لى :
· المسألة مش مسألة فأس ومقطف .. المسألة مسألة وعى وأرتباط المثقفين الثوريين بالجماهير الشعبية
· رجعت إلى الحيرة والصمت ثانية فقال لى :
· النهاردة الساعة 6 مساءأ فيه ندوة على القهوة اللى جنب مكتب العمدة .. تعالى أحضرها .. أكيد ها تستفيد......
قطعنا أكوام القمامة.... وحملتها عربات البلدية خارج الحى وأصبح المكان نظيفا.... وفى المساء وعلى القهوة تقابل جميع من أشتركوا فى العمل بالصباح وعدد آخر من جماهير الحى .
وجلس الدكتور محمد أنيس ومحمد خليل وعبد المنعم خليل وبدأت الندوة .. وكان الدكتور أنيس يتحدث عن الإشتراكية والمثقفين والجماهير, وأن التاريخ مش حواديت ..التاريخ صراع طبقات .. وكمشيش ..وحركة الفلاحين فى كشميش ضد الأقطاع ...،وجيفارا وماو.... وحركة الطلبة فى فرنسا عام 68..
لاأستطيع أن أقول إننا قد فهمنا واستوعبنا جميع ما قاله..... لكن تلك الندوة وغيرها من الندوات الأسبوعية التى كان يعقدها الكتور أنيس على قهاوى الحى المختلفة..... كانت تفتح فى أذهاننا عناوين للموضوعات، وحينما كان يتكلم عن جيفارا مثلا... نهز رؤوسنا ونتصنع الفهم .....والحقيقة بالنسبة لى:
فإننى لم أكن أعرف من هو جيفارا وكنت أخشى أن أسال فى الندوة : من هو جيفارا؟
خوفا من أن أبدو جاهلآ أمام الدكتور أنيس .. وأمام أبناء الحى....
لكنى بعد الندوة .. سأ لت محمد خليل عن جيفارا... فأعطانى كتاب صغير ( صدر عن دار الهلال) عن جيفارا ، وكان ذلك أول كتاب قرأته له صلة بالسياسة ومن الكتاب عرفت باتيستا ديكتاتوركوبا... وفيدل كاسترو ...وراؤل كاسترو...وجيفار...وبوليفيا..والأرجنتين.....
وبعد الأنتهاء من قراءة الكتاب ظننت أننى أمتلكت ناصية الأمور... ذهبت للندوة الأسبوعية لأول مرة غير خائف ( ياواد هتخاف من أيه... داأنت بقيت عارف باتيستا وكاسترو وبوليفيا كمان).....
وفى الندوة كان الدكتور محمد أنيس يتحدث عن ماوتس تونج وأخذت أهز رأسى مصطعنا الفهم ... وخفت ايضا أن أسأل ... ثم عدت لمحمد خليل فأعطانى كتاب صغير مثل قاموس الجيب وبه شريط صغير من القماش الأحمر وكان بعنوان مقتطفات من أقوال ماوتس تونج.....
كان الدكتور أنيس حريصا وبشكل يتسم بالذكاء الشديد على أن يجعل من كل يوم جمعة فى الأسبوع :
عمل فى الصباح( لقطع أكوام القمامة)...... وتثقيف فى المساء على القهاوى فى شكل ندوة جماهيرية وأستعراض للمشاكل الجماهيرية بالحى ......،وكان هذا عاملا رئيسيا ساعد الدكتور أنيس فى نجاح خطة عمله..... وكانت ندواته ندوات جماهيرية بحق......يحضرها كل جمعة ما لايقل عن تسعون شابا من شباب الحى .
أما محمد وعبد المنعم خليل فقد نجحا فى تكتيل شباب الحى بدرجة عالية فى معسكرات المقاومة الشعبية عقب هزيمة 1967 .. لمدة 6شهور تقريبا كان يخرج فوجا (كل فترة) لا يقل عن 50شابا من الحى لتلقى تدريبات عسكرية لمدة أسبوع بالكلية الحربية أو مدرسة المشاة... كانت تأتى أتوبيسات كبيرة .. يركبها الشباب (فى السادسة صباحا) تذهب بنا إلى الكلية الحربية أو مدرسة المشاة،و لتعود بنا ( فى الثامنة مساءا) ..كنا نتدرب فيها بشكل جدى وشاق على أستعمال السلاح وكان التدريب يتم على أستعمال ( البندقية الألى أو الرشاش الخفيف أو مدفع الأربى جى)..
تكرار هذه الأفواج بأنتظام كان يخلق روحا جديدة بين شباب الحى ... وينمى صداقات وعلاقات وثيقة بين الشباب..... ظلت هذه الأفواج تخرج من الحى وعلى فترات متباعدة منذ يونيو 1967 إلى أوائل عام 1968..
ثم بعد ذلك تقريبا أندثرت لجان المقاومة الشعبية وأكتفى بالكلام عن الدفاع المدنى .
لقد كانت الروح الجديدة بين شباب الحى والصداقات والعلاقات الوطيدة بينهم والتى ولدتها معسكرات المقاومة الشعبية عاملا ثانيا فى نجاح خطة عمل الدكتور أنيس بالحى فقد كان هؤلاء الشباب هم قلب الندوة الجماهيرية . الدكتور أنيس ظل لمدة عام تقريبا (من أوائل 69 وحتى أواخر 69) بشكل نشط وفعال يعمل وسط جماهير وشباب الحى ... ثم أختفى وابتعد ورحل هذا القمر المضئ عن حينا ... ولاأدرى حتى الآن لماذا أبتعد ؟
هل تم تضييق الخناق عليه ؟ ومن من؟ هل يأس منا ؟لاأعلم ..
لكن الذى أعلمه جيدا : أن الرجل قد ترك بصمات جميلة فى عقولنا.... وهذا القمر( الذى رحل) كان ينير الطريق لنا فى وقت كنا نحتاج فيه بشدة لشعاع واحد من الوعى ..
بعد رحيل( د/ محمد أنيس) عن الحى قام محمد وعبد المنعم خليل بتجميع كتلة الشباب التى تبلورت بالحى من لجان المقاومة الشعبية , ومن الندوات الجماهيرية التى كان يعقدها الدكتور أنيس .

تساؤلات معسكر الحوامدية... ومقر المنظمة

فى معسكر ضم حوالى 70 شابا ( لمدة أسبوع أو عشرة أيام) ،وكان المعسكر بمدرسة الحوامدية الثانوية المشتركة، وأقام السبعون شابا إقامة كا ملة بهذه المدرسة وكان المعسكر له هدفان:
1- التثقيف السياسى
2- ردم أحدى البرك بقرية المنوات بالقرب من الحوامدية
والجديد بالنسبة لى ،وبالنسبة لمجموعة شباب حينا فى هذا المعسكر هو إحتكاكنا بالمهجرين من أبناء مدن القناه(السويس والأسماعلية)،الذين تركوا ديارهم تحت وحشية دانات القذف الصهيونى....
شاهدنا حشودهم فى أكواخ حقيرة وحالة بائسة بقرية المنوات....،و عرفنا داخل هذه الأكواخ أن هزيمة 1967 لم تكن ضياع سيناء فقط ،ولم تكن شهداء وجثث مشوهة بالنابلم وفقط......
و إنما كانت أيضا خراب ديار وغربة واجتثاث جذور المواطنين ... وأه ياوطن رحيل وراء رحيل ... وبؤس يتراكم فوق بؤس.... من السويس إلى المنوات....
وأطفال تنام في أكواخ حقيرة فوق فراش الغربة...... وإحتياج شديد للقمة العيش....
المهجرين تراجيديا الحرب وبؤسها.... بنات واطفال ونساء السويس شبه عرايا... وأين ؟
فى المنوات أى فوق تراب الوطن .
كنا فى الصباح نعمل بجدية ونشاط فى ردم بركة المنوات بنفس الجدية والنشاط التى كنا نقطع بها أكوام القمامة بداير الناحية.... أكوام قمامة بداير الناحية وبرك ومستنقعات ومهجرين بالمنوات ... وكيف يلتحم المثقفون الثوريون بالجماهير الشعبية يادكتور أنيس؟
أيها القمر الذى غاب عن حينا.... كنت تقول لنا على القهوة التاريخ مش حواديت .. التاريخ صراع طبقات... أين بؤس حينا من صراع الطبقات ؟ وأين شتات وبؤس المهجرين من صراع الطبقات؟
أيها القمر الغائب هل كان قطع أكوام القمامة وردم البرك مدخلا ثوريا لصراع الطبقات؟
ايها القمر الذى رحل عن حينا....هامت هذه الأسئلة بداخلى... وقد تكون هامت داخل الأخرين.....
هامت في الإحساس والمشاعر..... فى الوجدان ......
الوعى الســائد مغلوط
مــش مظبوط
واقف فى النص بيتصالح
ولذلك مش هايحقق أى مـصالح
فى المساء كانت ندوات التثقيف وحلقات السمر .. حاضرنا محمد خليل فى تطور المجتمعات وتاريخ كفاح شعب الجيزه وأهالى قرية الشوبك ضد المحتل البريطانى والعمل الجماهيرى وأساليبه ...كانت المحاضرات بسيطة ومفيدة بالنسبة لمجموعة الشباب.....
الفرق بين محاضرات الدكتور أنيس ومحاضرات العامل محمد خليل هى اللغة ... لغة الخطاب الثورى
الدكتور الجامعى وأستاذ التاريخ أكيد سوف تختلف لغته وخطابه عن لغة وخطاب الأسطى الثورى الميكانيكى المتعلم.. تعبيرات ولغة المثقف الثورى آتية من الكتب.. وتعبيرات ولغة العامل آتية من الواقع..
أمام لغة المثقف تحس باحتياجك الشديد إلى المعرفة والأطلاع على أمهات الكتب...
وأمام العامل المثقف تحس باحتياجك الشديد للإنغراس والتعامل مع الواقع .
لغة الخطاب الجماهيرى: من أين تنبع ؟....من الواقع أم من الكتب؟
من شعبوية الواقع أم من نخبوية المثقفين؟
الخطاب الجماهيرى ليس مأساة ضخمة كما يصورها البعض .....فعدم إنغراس المثقفين فى صفوف الجماهير هو المأساة الحقيقية.....
حينما يحدث الإنغراس سوف تتولد لغة الخطاب بشكل سهل وبسيط وعفوى....... وحينما يحدث الإنفصال والتباعد بالطبع سوف يكون هناك لغتين.
فى الحقيقة لم نحس بإغتراب عن لغة محمد أنيس.... ولم نحس بإغتراب عن لغة محمد خليل....
رغم أن اللغتين كانتا مختلفتين .فقد كان لكل منهما طعمه ومذاقه الخاص:
مذاق الدكتور.... ومذاق الأسطى
تعايش المثقف مع الجماهير يخلق لغتةالمشتركة معها.... أما الإنفصال لن يولد سوى الفذلكة والمصطلحات الغريبة التى يغطى بها المثقف على جهله الحقيقى .......
العزلة مقتل لكل مثقف.......... فمتى تنقضى عزلتك أيها القتيل؟!!
لغة الأسطى ولغة الدكتور كانتا لغة الأنغراس والمعايشة مع الجماهير لذا لم تغترب تلك اللغة عن الواقع رغم اختلاف النكهة ورغم أن الوعى السائد والمحرك لتلك اللغة كان مغلوطا.
تحدث الدكتور وتحدث الأسطى (بلغة لم نغترب عنها) عن صراع الطبقات وتطور المجتمعات ....
عرفنا منهم الاستغلال والقهر الطبقى فى المجتمع العبودى( فقد كان الأنسان يباع ويشترى)....
وعرفنا قهر الإنسان للإنسان فى المجتمع الأقطاعى..... وعرفنا منهم كلمات رأس المال المستغل وأهمية وضرورة القضاء على أستغلال الإنسان لأخيه الإنسان..... والذى لم نعرفه منهم:
· هل كان هناك أستغلال وقهر طبقى فى العهد الناصرى؟
· هل كانت الناصرية هى جنة تطور المجتمعات فى بلادنا؟
· هزيمة يونيو1967 حدوتة فى تاريخ شعبنا.... فى أى صراع طبقى دارت الحدوتة وفى ظل أى طبقات حاكمة تمت الهزيمة؟!!!!!
رغم ملاحة وحلاوة اللغة ( للأسطى والدكتور) أكيد .. أكيد بلا جدال كان هناك شيئا مغلوطا.. مغلوطا فى الوعى وليس فى اللغة والخطاب.
فى ذلك الوقت عادت مجموعة الشباب من معسكر الحوامدية أكثر تماسكا وأكثر انسجاما مع بعضها كانت المجموعة بشكل عام تقف على حدود ومشارف الفكر الناصرى.....
وبعد حوالى أسبوع من عودتنا سلمنا ( محمد وعبد المنعم خليل)مفتاح منزل يتكون من دورين، بكل دور حوالى 5-6 غرف من الغرف ذات المساحات المتسعة......
وكتبنا جميعا إستمارات عضوية لمنظمة الشباب الأشتراكى..... وأصبح هذا المنزل كخلية النحل يمتلئ بالشباب والبشر...
وأصبحنا بدون(محمد أنيس) وبدون( محمد خليل) وبدون( عبد المنعم خليل).... أصبحنا نجتمع بمفردنا ونقرر ما نشاء بمفردنا.... أصبحنا معروفين فى الحى بأسم ( شباب المنظمة)........ والمنزل تحول أسمه من (منزل ممدوح) إلى (مقرالمنظمة)...
رايح فين ؟... رايح المنظمة
جاى منين؟... جاى من المنظمة ...
تقولش منظمة التحرير ياخى
وعلى أرضية العمل الاجتماعى الخدمى حققنا أكبر وأوسع أنتشار بين جماهير الحى.... وظللنا بؤرة نشاط ضخمة داخل الحى تنطلق من (مقر المنظمة)......حتى طردونا من هذا المنزل(المنظمة) بعد أحداث مايو1971 ..عامين متواصلين من النشاط:
· من هذا المقر أصدرنا أول ( وآخر)ديوان شــعر بأســم ( داير الناحية).
· من هذا المقر أصدرنا أول (وآخر) مجلة حائط....علقناها فى وسط ميدان الدقى وأنتزعناالعقيد (أحمد همام) عقيد مباحث أمن الدولةمن أمامها.
· من هذا المقر شكلنا أول فرقة مسرحية من شباب الحى وأقمنا مسرح( الكارو )وعرضنا أربع مسرحيات بالحى:
مسرحية( أغنية على الممر) تأليف على سالم
مسرحية( البوفيه) تأليف على سالم
مسرحية( أمريكا قتلت عيلنا) تأليف محمد عبدالحميد
مسرحية( عقارب الزمن) تاليف محروس بدر(أبن الحى)
· من هذا المقر شكلنا أقوى فرقة ( للدفاع المدنى) على مستوى محافظة الجيزة.
· من هذا المقر شكلنا أقوى فرقة للكورال من أبناء الحى ...كان الفريق يغنى:
أغانى أولاد الأرض........................... ( قول للقمر لوفات.. هانعدى ونحارب)
أولاد الحارة............................... ( كلنا فى الهم غلابة)
أوبريت ألليله الكبيرة....................... (دول فلاحين ودول صعايدة... دول من القنال ودول رشايدة)
· من هذا المقر نظمنا أول ( وآخر) ندوة جماهيرية على قهوة السرساوى( ندوة الرعب والتحول) فى 5مايو1971.
· من هذا المقر نظمنا العديد من الرحلات لشباب وأهالى الحىكان أجملها رحلة الأسكندرية والنوم على البلاط وسلالم لوكاندة ( رشيد الكبرى للنوم)......وكان أخرها معسكر رأس البر.....وعدنا من راس البر بالقطار فى تمام الساعة الخامسة من يوم 28سبتمبر1970.....
ونزلنا من القطار.... ولم نكن نعرف ما حدث ...
وأفقنا فى محطة مصر على صوت محمد خليل وهو يبكى ويصرخ قائلا:
جــــاى .. جـــاى ..
عبـــد الناصـــر مات ...عبـــد الناصــر مات ياولاد الكلب
· من هذا المقر أنطلقت مظاهرات الحى المتواصلة لمدة ثلاثة أيام ... تطوف بالأحياء والميادين الوداع ياجمال ياحبيب الملايين .
· وفى هذا المقر وغيره من مدارس الحى نظمنا أوسع نشاط لفصول التقويه ومحو الأميه المجانيه دون أى مقابل ولسنوات عديدة.
· من هذا المقر نظمنا أوسع نشاط رياضى ممكن لشباب الحى:
مارس شباب الحى لعبة البنج بونج من خلال المنضدة التى صنعها شهيد حينا ( سعيد محمدى) ..
وكان الإيراد المالى للمنضدة يتم الصرف منه على طباشير وسبورات فصول التقوية وتعليم الكبار....
نظمنا العديد من دورات (الكره الشراب) فقد كانت كل حارة تشكل فريقا لكرة القدم.
نظمنا العديد من المعارض ومجلات الحائط بشوارع الحى كان أهمها معرض جماعة أنصار الثورة الفلسطينية بكلية الهندسة .. (تقريبا يناير 1971) الذى حصلنا عليه من أعضاء الجماعة( زملاءنا بالكلية) وعلقناه بالشارع الرئيسى داير الناحية.
· من هذا المقر نظمنا وعرضنا العديد من العروض السينمائية عن حرب فيتنام وكانت العروض السنيمائية عروضا جماهيريه بمعنى الكلمة.. كانت إما فى فناء مدرسة... أو فى (وسعاية الدوار).... أو فى وسعاية مدخل حارة سيدى الأربعين.....
وكان شيئا جميلا أن تسمع الصيحات والزغاريد وقت عرض الفيلم السنيمائى.... حينما يستطيع صاروخ سام6 أن يدمر الطائرة الأمريكية فى حرب فيتنام.....
وفى لحظة تدمير الطائرة تعلو الصيحات وتنطلق الزغاريد....
هتنش ونتش بعلو الصوت ..
عن أمريكا وهول أمريكا..
زعموا الفانتوم شايل موت..
سقط الموت بعلم أمريكا
جاتكوا فضيحة..ياطبقة سطحية..وعامله فصيحة..وجايبه العار
لم نكن نعرف وقتها هذه الأشعار لأحمد فؤاد نجم كى نقولها .. لم نكن نعرف سوى صيحات الإعجاب والزغاريد بسقوط الطائرات الامريكيه.. لقد كانت هذه الأشعار الغائبة زغاريد مظاهراتنا فى حركة الطلاب... كنت
أحول هذه الأشعار إلى شعارات فى المظاهرات ....
وحينما كنت أرددها كانت زغاريد نساء وبنات حينا وصيحات الأطفال.... هى الصورة الماثلة أمامى فى (سنيما الو سعاية) أو بمعنى أصح (سينما الجماهير).
· من هذا المقر أنطلقنا لنبنى وحدتنا مع شباب كمبوديا( عزبة أولاد علام) ......حيث أن شباب عزبة أولاد علام كان تقريبا يسير فى نفس الخطوات التى كنا نسير فيها.....
· وقد شكلوا أيضا فريقا من الكورال وكان فريقا عجيبا يبدأ أغانيه بمطلع هذه الأغنية:
أولاد علام ... أولاد علام ... أولاد علام
هيه ... هيه ... هيه
أحنا وكمبوديا.... وفيتنام أبطــال
والمقصود بكلمة (أحنا): أولاد علام طبعا...وليست مصر......
وهكذا وضع طالب الحقوق( أحمد شرف الدين) أولاد علام إلى جوار كمبوديا و فيتنام.....
ومن هنا كنا نطلق عليهم: أبناء كمبوديا البواسل ....أو جمهورية أولاد علام الشعبية .....
فقد كان بؤس كمبوديا(أولاد علام) أشد من بؤس داير الناحية..
( البوسنة والهرسك) أو (أولاد علام وداير الناحية) مظاليم العهد المنسيين...
من جميع هذه الأعمال وغيرها أصبحت مجموعة الشباب ( قيادات طبيعية) داخل هذا الحى .....
و فى هذه الفترة توسعت وتعددت دائرة عملنا بدءآ من دفن رجل ....
إنتهاءآ بمجلة حائط وعقد ندوة سياسية فى ظل صراع دائر على السلطة.
كانت هذه الفترة بالنسبة لنا فترة خصب ونمو .. فترة معايشة وأنصهار .. كنا كالطفل يزحف على الأرض ويحاول أن يتعلم كيف يسير على قدميه يقف أحيانا .. ويتعثر أحيانا.....
لكن الطفل بدأ يتعلم الخطوة الأولى فيا ترى..... إلى أين كان الطفل يسير ؟ وكيف كانت خطواته؟
 الحلقة القادمة الاسبوع القادم (مجلة من صنع ايدينا ... و أجمل الامهات )

ليست هناك تعليقات:

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة