الخميس، 21 يناير، 2010

الحلقه الخامسة

فصول التقوية وندوة قهوة السرساوى وأحداث 15مايو1971


فى الماضى كان البوليس الجنائى يدخل الحى كثيرا لتعقب تجار المخدرات فى الحى .. لم يكن حينا كحى الباطنية مثلا .. ولكن كان للحى نصيب أيضا فى تجارة المخدرات ... فهكذا دائما حيث يوجد الفقر والبؤس لابد من وجود المخدرات مع تبلور الشباب فى الحى ..
ومع ظهور مجلة الحائط بميدان الدقى كانت تلك هى المرة الأولى التى يدخل فيها البوليس السياسى إلى حينا....
وأعتقد أن هذه اللحظة كانت الميلاد الحقيقى لحينا....
لقد أثرت ندوات الدكتور أنيس وجهود عبد المنعم ومحمد خليل فى خلق مجرى جديد داخل الحى.
.(يكتشف البشر ذاتهم عند التحول)..................
عبارة قالها لنا محمد خليل بعد حادث المجلة مازالت مطبوعة بالذاكرة لاتختفى:
أنتم مجموعة الشباب اللى شقت مجرى التحول......
فى الحى زمان كان البوليس يدخله علشان تجار المخدرات ...
دلوقتى البوليس يدخل الحى علشان يكافح السياسة مش يكافح المخدرات ....
الأحياء الغنية المجاورة للحى فاكرة:
أن داير الناحية عبارة عن شوية حشاشين وتجار مخدرات .....لازم نثبت لهم أن داير الناحية فيها المهندس ... فيها الطبيب ... وفيها العامل ...وأيضا بها السياسى وأصحاب الرأى والعقيدة ...
كلمات جميلة أيها الأسطى العزيز ... لم يأت محمد خليل بهذه الكلمات من الكتب ...
جاءت كلماته لنا من المعاناة.... معاناة الواقع ... كيف ينظر الناس إلينا وإلى حينا؟
وكيف ننظر إلى أنفسنا ؟
...هذه الكلمات كان أثرها عميقا فى نفوسنا... كنا نفتخر بشدة حينما يدخل أحد أبناء حينا الجامعة ...العلم والتعلم بالنسبة لحينا أصبح معركة ... معركة لإثبات الذات والوجود فى عالم لايعترف أصلا بوجودنا!!!!!
من هنا أنطلقنا لفصول التقوية ومحو الأمية المجانية من أجل أن يصبح حينا بؤرة للمتعلمين...
لابؤرة للمخدرات ...دخلنا معركة العلم والتعلم بالحى أيضا كنوع من الحرب ضد المخدرات فى هذا الحى ... كانت فصولنا متسعة ... منذ الخامسة مساءآ وحتى التاسعة بل أحيانا العاشرة .. داخل مبنى المنظمة لاتخلوا حجرة من الحجرات من درس للتقوية أو فصل لتعليم الكبار ...
وحينما ضاق مبنى المنظمة بعدد التلاميذ ... أقمنا الفصول فى مدرسة مجاورة للحى ...
أمتدت فصولنا إلى بعض الجوامع ... وأمتدت...
وأمتدت (حينما كان يتم تضيق الخناق من قبل أحهزة الدولة علينا) إلى داخل المنازل ...
أستمرت فصول التقوية فى حينا منذ عام 1969 وحتى عام 1975...
مارسناها حتى بعد أن طردنا من مبنى المنظمة فى عام 1971.
وفى الفترة من 1971 وحتى 1975 ....
وهى الفترة التى ظللنا فى أغلب أوقاتها مطاردين من قبل أجهزة الأمن.... كنا نحرص بشدة على إقامة الفصول وتوسيعها لأنها كانت بالنسبة لنا فى هذه الفترة تعبيرا وإثباتا لجماهير الحى إننا لم ننفصل عنهم.
فى أعوام 1969ـ 1971 كان أبناء ورجال ونساء الحى ينظرون إلينا نظرة:
( الشبان الطيبين... أولاد الحى ... بيخدمونا... عايزين عيالنا تتعلم زى ماهمه أتعلموا ... مابيطلبوش فلوس... عيال جدعان ... ربنا يحرصهم لشبابهم ... ملهمش غرض غير خدمتنا وتعليم عيالنا .. حاسين بينا وبزنقة عيشتنا ... عارفين أن احنا مانقدرش ع الدورس الخصوصية...)...
في أعوام 72 ,73 ,74 ,75 حين كنا نمارس فصول التقوية بالحى .. . وكنا ندخل ثم نخرج من السجون ...أو أحدنا بالسجن والآخر خارجه ... ومباحث أمن الدولة ومخبريها مزروعين فى الحى ..وكان أبناء الحى يشاهدونا فى المظاهرات التى تطوف بالجامعة وتدخل حى بين السريات المجاور لحينا ... فى هذه الفترة كان جميع أبناء الحى ونسائه الفقيرات يعلمون جيدا أن من يقود المظاهرات بالجامعة هم أ نفسهم الذين يعطون الدروس المجانية لأطفالهم... كان حديث الناس دائما :
... شاكر عرفة خرج من السجن ... كمال لسه جوه ... سمير الشربينى ومحمد عبد الخالق وجمال عبد الناصر وأسماعيل يوسف وبحبح ومحمد البدراوى وسيد عبد الرحمن بيدرسوا فى الفصول......

بيقولوا ياختى عليهم شيوعيين.... ياختى أنا مش عارفه يعنى إيه شيوعية؟....
جوزى بيقول: شيوعيين يعنى كفرة .....
هو معقول الكفرة يخدموا عيالنا.... ياختى دا كلام المباحث ... والنبى حاجه تحير ...
حينما كنا نخرج من السجن.... أو تتفجر أحداث الجامعة....
كنا نروى لشباب الحى ورجاله وأيضا للتلاميذ:
... ماذا حدث ؟ أين يكذب السادات وأين الحقيقة ؟ ماذا تقول منشورات الطلبة؟

الطلاب يتحدثون عن أحوال معيشة شعبنا المتدهورة ..الطلاب يطالبون بربط الأجور بالأسعار...
الطلاب يطالبون برفع الحد الأدنى للأجور .. الطلاب يتحدثون عن العمال ...
وإقتصاد الحرب كمان... وكانت الفصول بمثابة قناة إتصال بيننا وبين جماهير الحى....
قناة مفتوحة دائما...
فى أعوام 75،74 درس معنا فى هذه الفصول الكثير من القيادات الطلابية بالجامعة:
( شهرت االعالم- سمية عدلى- فاتن عبد المنعم)....
كان وجودهم معنا... والتدريس لأبناء الحى يعطى صورة جميلة لشباب الحى عن الطالبات الثوريات بالجامعة....غير الصورة التى كان ينقلها ويروج لها ضباط أمن الدولة والصحافة وقتها....
كنت تجد الشباب فى الحى يتحدثون عن ( شهرت العالم):
عارف البنت النحيفة اللى بتيجى تدرس فى الفصول... البنت بتاعة كلية العلوم... دى بتقودالمظاهرات فى الجامعة ... ياعم.... شاكر عرفة قالنا:
دى أتحبست ودخلت السجن ... سجن القناطر......
ياراجل روح أتنيل .. دانت جسم وعضلات ع الفاضى تشوف ضابط بوليس تقوم تجرى ...
طب شهرت دى اللى ماتجيش كلها قد دراعك... بتقف فى الجامعة وتتكلم أجدع من ميت راجل ..
كان شباب الحى فخورا بنا... وما أجمل أن يفتخر الفقراء ببعضهم :
مرة كنت أقود مظاهره تضم حوالى 4000 طالب.... خرجنا من الجامعة ودخلنا بالمظاهره حى بين السرايات...
وكان (كامل الترجمان) أحد شباب حينا وعامل الكاوتش يسير فى حى بين السريات ......
ولما وجدنى محمولا على الأكتاف وأقود المظاهرة ... دخل على المظاهرة فرحا ومهللا......
دخل يزعق بأعلى صوته:

( ياصلاة النبى .. ياصلاة النبى على ولاد حتتنا)..
حمله المتظاهرون على الأكتاف ... وكان مزهوا بنفسه وبأبناء حيه.... أمسكت يدى بيده ... والدموع كادت تفر من عينى وعينيه وهتفت :
أحنا الطلبه مع العمال ... ضـــد الظلم والاســـتغلال
ياعمال أنا وانتم واحد... اللى سارقنى وسارقك واحد
واللى ناهبنى وناهبك واحد ... واللى ظالمنى وظالمك واحد
ياعــــمال خطـوه لقدام.... فى الصف مكانكم قدام
تعانقنا فى نهاية الهتاف.... وأنتهت المظاهرة.....

ورجع كامل إلى الحى يحكى عن المظاهرة وأبناء الحى الذين يقودون المظاهرات فى الصباح وفى المساء يدرسون فى فصول التقوية.
كانت الفصول فى حينا تقوم على عاتق ( 50-60شاب) من شباب الحى أغلبهم طلاب جامعات.. وخريجين ..وشباب يحملون دبلوم تجارى أو صناعى..

وكان عدد التلاميذ فى الفصول يتراوح بين 100—500تلميذ...
100فى أوقات الحصار وتضيق الخناق....500فى أوقات الأزدهار....
كانت الفصول قائمة على العمل التطوعى ... كانت روح التضامن هى المحرك الأول وراء العمل......
لم يكن جميع المدرسين على صلة بالسياسة مع الحركة الطلابية... والغير مسيسين هم الأغلبية ...
لكن الجميع كان متفقا على أهمية وضرورة إستمرار الفصول.... كان هناك أحتياج جماهيرى داخل الحى لهذه الخدمة ... وكان هناك تضامنا من أبناء الحى فى سبيل تلبية هذا الإحتياج الجماهيرى.

لم نمارس هذا العمل بأفق أن هذا حلآ لمشكلة التعليم... أو بأفق محاربة الدروس الخصوصية بالحى.. لأن الشباب الذين كانوا يعطون دروسا خصوصية بالحى كانوا فقراء ويعولون أسر....كانوا يلجأون إلى الدروس الخصوصية لحل مشاكل الحياة التى تواجههم ... فقد كانوا يعطوا الدرس الخصوصى بجنيه فى الشهر لجميع المواد!!!!!!!

بل كان كثيرا منهم يأتى ويدرس معنا فى الفصول المجانية بعض الحصص..
وبالطبع فإن حالة الزخم والمدى الجماهيرى وتأثيرات الحركة الطلابية أعطى لفصول التقوية فى الحى طابعا مختلفا ... وخرج بها عن نطاق العمل الإجتماعى الخدمى.....
لقد كانت الفصول محور صراع دائم داخل الحى:
الجماهير تريد الفصول والمباحث تريد قفلها..
الناس عايزه الفصول تستمر لأنها تلبى أحتياج عندها ..
والمباحث مش هبلة ... طول ما بتوع السياسة وحركة الطلبه فى وسط 50 شاب جامعى بيدرسوا فى الفصول ... وفى وسط 500تلميذ من التلاميذ بالأعدادى والثانوى.. والأهالى بتبارك هذا العمل يبقى السياسة مش ها تنقلع من داخل هذا الحى ...
الشيوعين فى الحى إن كانوا أثنين بكره ها يبقواعشرة وعشرين... هكذا كانت تفكر أجهزة المباحث ..
ندوة قهوة السرساوى
(( ندوة الرعـــب والتحول))......5 مايــــــو 1971...



أعوام 70،69،68، وحتى 5مايو 1971 كانت أعوام العمل الهادئ فى الحى ... لم نصطدم بأجهزة الدولة إلا فى حادثة مجلة الحائط ... كان يعرقل عملنا بعض عناصر وقيادات الإتحاد الأشتراكى بمناوشات من آن لآخر ... لم نفهم مغزى تلك المناوشات وقتها.....
وكان هناك شئ يجعلك تقع فى الحيرة.... وأسئلة تدورفى الرأس لاتجد لها إجابة أو تفسير..
عادل آدم( أمين منظمة الشباب بالمحافظة)، فريد عبد الكريم( أمين الإتحاد الأشتراكى بالمحافظة) يتعاملون معنا بشكل سياسى ويدفعون عملنا إلى الأمام ...وهناك عناصر أخرى تتنمى لنفس التنظيم السياسى تناوش معنا وتضع العراقيل!!!!
لم نكن نعلم أن هناك تنظيم طليعى سرى داخل الإتحاد الأشتراكى....!!!!!!!!
علمنا ذلك فقط بعد حل التنظيم الطليعى على الملأ فى أحداث 15 مايو 1971........
يعنى يامحتـرم كنا طرابيش
وكمان يا محترم لازم تعرف أن فى الحياة بشكل عام مش عيب أنك تطلع طربوش ... ياما الواحد فى مواقف كثيرة إنسانية وشخصية واجتماعية طلع طربوش ومن غير ذر كمان.......
أما فى عالم السياسة أن تجد نفسك طربوشآ ... وفجأة..... فذلك مؤلم بحق.
والآن ونحن فى عام 1996 وبعد حل التنظيم الطليعى فى مايو 1971 أى بعد ربع قرن من هذا الحل ...
أتوجه بسؤالي الحائر....( والذى لم أجد إجابة له حتى الآن) ...إلى كل الناصريين الذين كانوداخل التنظيم الطليعى:
لماذا كان التنظيم الطليعى سريا ؟ ..أى سلطة كان يود أن يطيح بها؟!أى سلطة كان يود أن يأتى بها؟!
حزب عبد الناصر كان يود أن يطيح بسلطة عبد الناصر من أجل أن يأتى بسلطة عبد الناصر!!! ...

مش فاهم لحد دلوقتى...سلطة بحزبيين: حزب سرى وحزب علنى...
وهل كان برنامج الحزب السرى يختلف عن برنامج الحزب العلنى....
قد يكون للناصريين إجابة ... أود أن أفهمها ... وأن لم يكن هناك إجابة ... فإن الإجابة الوحيدة الحاضرة فى ذهنى إن التنظيم الطليعى قد بنى من أجل هدف واحدوهــو :
أن نكون طرابيشا فى عالم السياسة... المهم...
لقد كانت أحداث 15 مايو 1971 بالنسبة لمجموعة الشباب فى حينا نقطة تحول جديدة....
فى وعينا... وفى عملنا..... ولكننا تعاملنا مع هذه الأحداث ( رغم أننا كنا طرابيش) بشكل صحيح..
لم نخف وننعزل فى منازلنا ... ولم نكمن أثناء الصراع الدائر لإنتظار الطرف المنتصر والسير فى ركبه ....
أحداث مايو كان فضلها علينا أن دفعتنا إلى قلب السياسة ... ودفعتنا للبحث عن الوعى الغائب...
فى أوائل شهر مايو تواردت لنا الأنباء من داخل المنظمة وداخل الإتحاد الأشتراكى :
السادات هيبيع البلد للأمريكان ( وقد باع).. السادات بيمهد لصلح مع إسرائيل (وقد فعل)... وتواردت أنباء وحواديت كثيرة عن إجتماعات اللجنة المركزية فى الإتحاد الأشتراكى ... وقصر السادات بالجيزة ... وأنقسام داخل أجهزة الدولة... وهذا الكلام بالطبع سمعناه داخل المنظمة وداخل الإتحاد الأشتراكى وكانت الناس فى الشارع مش عارفه أى حاجه ... كان الصراع الدائر فى أعالى القمة...
و بدأت تتسرب أخباره إلى داخل الإتحاد الأشتراكى ولسه الموضوع لم يصل إلى الشارع ...
طب أيه العمل ياجماعة؟؟؟؟ ...
إذا كانت البلد ها تتباع للأمريكان ... والصلح ها يتم مع إسرائيل... هنقف كده ساكتين ...
طب الكلام ده نقوله للناس ........!!!!!!!!!!
وعندما أشتد الصراع فى القمة ... طلب مننا عمل ندوات فى الشارع لشرح أبعاد الموقف للجماهير...
وقد كان ... فقد نظمنا وحشدنا لندوة جماهيرية على قهوة السرساوى( وقتئذ) وكانت القهوة تضم أكبر تجمع لشباب الحى ... وحضر الندوة حوالى 200شـاب من الحى ... وجاء قيادات من المنظمة والأتحاد الأشتراكى وشرحوا أبعاد الموقف:
وكان وقع الكلام على نفوس أبناء الحى شديدا....
لم تكن الندوة ندوة تثقيف كندوات الدكتور أنيس.....
كانت الندوة إعلان حالة حرب على السادات قمة السلطة.....
وأثناء الندوة .. وقف صاحب القهوة وقال :
ياجماعة حرام عليكم ... المخابرات لو سمعت الكلام اللى بتقال على القهوة هتقفلها ...
وهنا أجاب أحد المسئولين بالأتحاد الأشتراكى والمحاضر بالندوة:
· ماتخافوش ... المخابرات معانا..
وهنا بدأ الإندهاش والرعب على جميع الحاضرين ..
· أزاى ياعم ... المخابرات مع اللى فى السلطة..
والسادات فى السلطة وهو الحاكم ... تبقى المخابرات معاكم أزاى؟!!!
وبعد ساعة..... كان الحى كله يتحدث عن ندوة السرساوى......
و إنصرف المسئولون القادمين من الأتحاد الأشتراكى ومنظمة الشباب ....
ووجدنا أنفسنا وجها لوجه مع جماهير الحى .. وإمتدت حلقات النقاش داخل الحى حتى الفجر.....
أحداث 15 مايو 1971
وتوالت الأحداث فى الأيام التالية :
إستقالات .. وقبول إستقالات .. وإعتقالات.. وثورة تصحيح .. وحرق شرائط.. ومراكز قوى .. وحل التنظيم الطليعي .. وأبو زيد فهمي .. والمدعي الاشتراكي ..
وقبض على عادل آدم .. وقبض على فريد عبد الكريم...
وبعد فترة وجدنا المخابرات تزحف على الحي وتقبض على محمد خليل .. في أول وأقوي هجوم لكلاب الدولة على الحي :
طابور طويل من الضباط و المخبرين.... يهاجم المنزل .. يفتشون فى كل مكان .. الكتب والمكتبة لم يقتربوا منها .. التفتيش فى الدواليب وتحت الأسرة وفى خبايا المنزل .. التفتيش ليس عن أوراق ولا عن كتب .. عن ماذا تفتش الكلاب المسعورة ؟
ـ مش عارفين بتفتش عن ايه ؟!!
ـ أيوة مش عارفين ..
ـ بنفتش عن سلاح..
ـ سلاح .. سلاح أيه .. هوه أحنا بتوع سلاح؟؟... وسلاح ليه ؟!
ـ اما تيجى معانا .. هتعرف ...
وخرج محمد خليل بين كتلة من الضباط والمخبرين فى موكب مهيب .. و فى مغرب هذا اليوم الحي تقريبا تجمع بأكمله أمام المنزل..... مشى الأسطى محمد خليل وسط هذا الموكب رافع الرأس..... هذه الابتسامة وهذا الشموخ كانا لكسر حالة الرعب من نفوس أبناء الحي ..
تكرر هذا المشهد كثيرا فى حينا .

أن يجدك أبناء الحي إنسانا صلبا قويا وقت اعتقالك ذلك شيئا مهما .. كنا نسير معتقلين شامخين... نطمئن الجميع بإننا عائدون.
ذهب محمد خليل .... وتجمعنا فى المنزل كتلة من شباب الحى وصوت أم كلثوم فى الراديو:
مصر التى فى خاطري وفى دمى ...
أحبها من كل روحي ودمي ....
يا ليت كل مؤمن يحبها ....... مثلي أنا....
قفل عبد المنعم الراديو .. وساد الصمت .. وعبدالمنعم ينظر بدهشة و يقول :

سلاح أيه؟ .. غريبة !!.. سلاح !!!! .. ربنا يستر ..
وساد الصمت .. ثم وجدنا عبد المنعم خليل يضحك ويقول :
سلاح !!!!.. السلاح مش عند محمد خليل..... المصيبة السلاح عندي أنا.....!!!!.
وزعق الطرابيش فى نفس واحد : سلاح إيه اللي عندك ؟
وأخذ عبد المنعم خليل يضحك ويقول :
ـ عارفين الحاج " أبو غالى " ...الراجل الصعيدي بتاع عزبة أولاد علام
ـ ايوة عارفينه .. أبو غالي بتاع كمبوديا ....وقال أحد الشباب :ـ
ـ أيوة يا أخي .. الراجل الضخم اللي كان من شهرين واقف فى المؤتمر يهتف بأعلى صوته:
" الله معك .. الله معك ياكيم أيل سونج" ....وأستطرد عبد المنعم خليل :
من شهر تقريبا .. السادات كان هيعقد مؤتمر فى طنطا .. وكان الاتحاد الاشتراكى عامل حشد من جميع المحافظات لإستقبال السادات فى طنطا .. ولما جه الأتوبيس اللي كنا هنسافر فيه لطنطا ..." كنا حوالي 100 فرد " .....لقيت أبو غالي طالع الأتوبيس ومعاه طبنجة محشية بالرصاص !!
قلت له : إيه ده يا حاج ؟ واخد المسدس ده معاك ليه؟
قالي : المسدس مرخص .. ماتخافش ..
-طب واخده ليه معاك ؟!!!!!
ـ الله مش واجب برضه... نحييى السادات وهوه فى الموكب .. أنا أول ما الموكب هيمر من قدامنا .. ها أضرب تلات طلقات فى الهواء .. تحيه للريس ..
ـ تحية !!!!.. أنت عايز تموتنا!!!!!! ..
ـ ليه .. أحنا صعايدة .. وتحية الريس واجبة ..
ـ هات المسدس .. دا أنت أول طلقة هتضربها فى الهواء هتلاقى رشاشات جهنم أنفتحت ع الكل ...... وأخدت منه المسدس وكل الرصاص اللى معاه .. وحطيتهم فى درج المكتب وقفلت عليهم .. وهى الأيام مرت بسرعة .. والمسدس لسه جوه الدرج المصيبة أن جميع مكانتب الاتحاد الاشتراكى أتشمعت من يومين ..
يبقى همه كسروا الدرج .... لقوا المسدس والرصاص.... جم قبضوا على محمد خليل .. بس الدرج بتاعى أنا مش بتاع محمد .. ربنا يستر....مين بقى ها يصدق حكاية أبو غالي ؟....
أكيد بقى المسدس ده هيبقى قصة وحكاية ورواية .. أخذ الجميع يضحكون .. وإختتم أحد الشباب الضحك بقوله :
الله معك يا كيم ايل سونخ ........وأحنا وكمبوديا وفيتنام أبطال ..
عاد محمد خليل بعد أيام .. أيه الحكاية ؟...أكيد طبنجة ابو غالي ؟ ....... قال:
ـ ابدا .. بلاغ كيدى كان متقدم .. بأنى ومجموعة من الناس... كان عندنا قنابل يدوية ورشاشات وبنجهز عملية لإغتيال السادات .....
ـ طب وطبنجة أبو غالي ..
ـ أبو غالى مين ؟
ـ أبو غالي بتاع كمبوديا .
ـ كمبوديا مين؟..
ـ كمبوديا الشرقية .. والجميع يضحك..... وعبد المنعم خليل يوجه نصائحه:
" شوفوا بقى.. السادات هيبع البلد للأمريكان .. هيبيع ...
هيمشى على طريق عبد الناصر بأستيكه .. هيمشى ..
بس مفيش داعى نقول الكلام ده دلوقتى .. الصراع اللى فوق صراع على السلطة . مالناش فيه لاناقة ولاجمل .. وفيه ناس هاتروح ضحايا .. أنا دلوقتى عايزكم تهدوا اللعب شوية .. احنوا الرؤوس .. حتى تهدأ العاصفة" .
لكن العاصفة لم تهدأ .. ووجد الطرابيش انفسهم فى ميدان المعركة .. رغم إنهم كانوا طرابيشا... لكنهم كانوا طرابيشا مقاتلة :
ـ أيوه السادات هيبيع البلد .... أيوه السادات هيصطلح مع اسرائيل....
_ طب والمخابرات اللى كانت معاكم.....؟
_ ملعونة المخابرات......
_ يعنى أنتم تبع مراكز.. القوى؟
ـ أحنا مش تبع أى مراكز.
ـ تبقوا تبع فريد عبد الكريم .
ـ فريد عبد الكريم وعادل آدم ناس شرفاء ومحترمين .........
حقا لقد كانت احداث 15 مايوا 1971 وندوه قهوة السرساوى بداية التحول.
الغريب بين أحداث 1968 ...ورطب نجم وجيفارا

دخل الغريب الجامعة عام 1967 ـ 1968 .. فى كلية الهندسة جامعة القاهرة تاه الغريب بين المبانى والمدرجات فى بداية العام.. وفى فبرايرر 1968 وفى أحد دروس الميكانيكا وصل إلى أسماع الحاضرين فى المدرج صوت الهتافات تدوى بفناء الكلية :
أنور أنور ياسادات .. هيه فين الحريات؟
آل ايه مجلس أمة ..واللى عاملينه همه ..
لاصدقى ولاالغول.... عبد الناصر المسئول.....
عايزين صحافة حرة ....دى العيشة بقت مرة..
عايزين حكومة حرة..... دى العيشة بقت مرة ..
يسقط كل مصرى جبان... يسقط كل مصرى جبان
نصح الاستاذ الطلاب بعدم المشاركة قائلا:ـ
ـ أحنا بتوع علم مالناش دعوة بالسياسة .. لم يتحرك أحد من الطلاب من مقعده ... والهتاف يصل إلى الأسماع : " يسقط كل مصرى جبان "
قال الغريب لنفسه :
" أنا أبن حارة..ولا يمكن ان أكون جبانا "... جمع الغريب كتبه وكراساته وخرج من الباب الخلفى للمدرج وأخذ يهرول فى اتجاه المتظاهرين :
أمام النافورة بمدخل الكلية كان هناك حشد ضخم من الطلاب يتزعمه طالب كلية الهندسة " محمد فريد حسنين ".... وكان يخطب فى الطلاب " الحريات أولا.. والحريات ثانيا .. والحريات ثالثا" ...
" حينما ضاعة الحرية جاءت الهزيمة "....
بعد ذلك وقف أحدعمال مصانع الطائرات بحلوان يروى قصة خروج مظاهرات عمال مصانع الطائرات بحلوان .... وإعتراضهم على الأحكام الصادرة على " المسئولين عند النكسة " ...وكيف تم قمع هذه المظاهرات؟......
بعد ذلك تعالت الهتافات " يحيا الطلبة مع العمال "......
خرج الغريب مع المتظاهرين .. حاول البوليس تفريق المظاهرة عند كوبرى الجامعة .. لكن الطلاب تمكنوامن صده والتقدم على كوبرى الجامعة... والقنابل المسيلة للدموع تتساقط فوق الروؤس...كر....وفر .. ومعارك... وهتافات المتظاهرين تهز شارع القصر العينى .. وتقتحم ميدان التحرير... وتحاصر مبنى الاهرام القديم ...وعند مبنى الأهرام تدور المعركةويتمكن البوليس من تفريق المتظاهرين ..

فى اليوم التالى تم قفل الجامعة ومحاصرتها بقوات الشرطة . وكان هناك عدد كبير من الطلاب داخل كلية الهندسة تمكنوا من الاعتصام بالكلية لمده يومين ..
أبرز الأسماء من قيادات الطلاب فى حركة 1968 كانوا أربعة :
1ـ محمد فريد حسنين جامعة القاهرة
2ـ عبد الحميد حسن جامعة القاهرة
3ـ عاطف الشاطر جامعة الأسكندرية
4ـ تيمور الملوانى جامعة الأسكندرية

ـ الأول والثانى سرعان ماتم احتوائهما من قبل النظام الناصرى وإنضما تحت لواء التنظيم الطليعى ....الأول دخل التنظيم الطليعى ثم قبض عليه فى 15 مايووقضى حكما بالسجن لمدة عامين ضمن مجموعة شعراوى جمعة..... والثانى سار فى مستنقع النظام بعد 15 مايووأصبح فيما بعد وزيرا تم انخراط فى فساد النظام .
ـ الثالث والرابع تم فصلهما من الجامعة وترحيلهما إلى الجيش.." أو بمعنى أصح تم إعتقالهما داخل الجيش مع مجموعة اخرى من الطلاب ".....الثالث خرج من الجيش ليعود مرة أخرى إلى الجامعة.. ولكنه فى السبعينات كان يعملً ضد حركة الطلاب .
ـ الرابع وهو تيمور الملوانى والذى عاد من الجيش للجامعة مناضلا شيوعيا صلبا وعنيدا...لم يهادن ولم ينضوى تحت مظلة أى نظام... وكان راية للإستمرار بين حركة الطلاب 1968 وحركة الطلاب عام 1972.
أيها الغريب ..

حينما أتخذت قرارك بترك المحاضرة والنزول إلى المظاهرة كان ذلك هو يوم ميلادك الحقيقي .. الشجاعة هى نقطة البداية .. كسر حاجز الخوف والترددعند كل إنسان هوميلاد جديد....
لو كنت جباناً وفضلت محاضرة للميكانيكا على مظاهرة للحرية لكان هذا تاريخ وفاتك ..
بأى معنى كنت ستحضر ندوات الدكتور انيس على القهوة لو كنت جباناً .. بأى خطوات كنت ستسير داخل حارتك بعد أن تخاذلت أمام هتاف : يسقط كل مصرى جبان ......
أيهما كان أهم :
إ تزان مجموعة من القوى المستوية فى محاضرات الميكانيكا .. أم إتزان مجتمع بأسره
أيهما كان أهم :
عجلة الجاذبية الأرضية فى محاضرات الميكانيكا ...أم جاذبية عامل من عمال حلوان وهو يتحدث عن مظاهرة عمال مصانع الطائرات ؟

أيهما الغريب.. لماذا لم تهتف حينما هز العامل وجدانك بكلماته .. كان الهتاف بداخلك وعلى لسانك : " دم شهيدنا يقول ع الرملة .. عاش نضال الطبقة العاملة".....
ترددت أيها الغريب .. أحسست أنك ستكون قزماً أمام فريد حسين وأمام عامل حلوان.....
أيها الغريب لم يكن هذا التردد مقبولاً وفى يوم ميلادك .....
لم تخنك شجاعتك داخل المدرج .. إ نما خانتك شجاعتك وترددت فى نطق هذا الشعار الفورى الجميل الذى كان يتجول فوق لسانك .
الجبن لم يكن خوفاً من الاعتقال لأنك سرت فى المظاهرة حتى النهاية ....
ايها الغريب تغلبت على شعورك ب القزمية بعد ذلك فى مظاهرات السبعينات .... فهل تخلصت من هذا الشعور فى المعارك الأخرى ؟
دقق فى البداية جيداً .. دقق فى الجذور ..
بعد مظاهرة فبراير 1968 أدار الغريب ظهره للجامعة... أنغمس فى ندوات الدكتور أنيس والعمل وسط مجموعة شباب الحى وفصائل خدمة الجيهة وفصول التقوية المجانية ... كان شعور الغريب بأن الحى هو جامعته .. وأن العمل فى الحى وسط الفقراء أهم من العمل فى الجامعة وسط المثقفين ..
فى الحى الحس الطبقى والوطنى يتبلور.... أما فى الجامعة هناك شيئا ما مفقودا ..
وفى يوم وحينما كان الغريب يتجول فى الحرم الجامعى....جلس تحت نخلة عالية ...ووجد أمامه وعلى النخلة المجاورة رزمة من الأوراق " حوالى 100 ورقة فولسكاب ".. أخذ يتفحصها فوجدها قصيدة شعر مطبوعة بالأستنسل..... أخذ يقرأ عنوان القصيدة فوجدها " جيفارا مات " كان ذلك تقريب فى أواخر عام 1969.... ذهل الغريب!!!!!
جيفارا الذى تحدث عنه الدكتور أنيس موجود ايضا فى الجامعة ...خبأ الغريب رزمة الأوراق تحت كتبه وسحب نسخة من القصيدة وأخذ يقرأها :
جيفارا مات .. آخر خبر فى الراديوهات
وفى الكنايس .. والجوامع
وع القهاوى .. وفي الحوارى....وفي البارات
جيفارا مات .... وأتمد حبل الدردشة والتعليقات ..
مارأيكم دام عزكم ياأنتيكات
ياغارقانين فى المأكولات والملبوسات
يادافيانين ومولعين الدفيات
يابتوع نضال آخر زمن فى العوامات
جيفارا مات
لاطنطة ولاشنشنة ولا إعلانات
وإستعلامات ..
مات الماضل المثال .. ياميت خسارة ع الرجال
مات الجدع فوق مدفعه جوه الغابات
جسد نضاله بمصرعه ومن سكات
لا طبالين يفرعقوا ولا إعلانات
عينى عليه ساعة القضا من غير رفاقة تودعه
عينى عليه .. عينى عليه
يزعق أنينه يشق الفضاء يصرخ ولامين يسمعه
عينى عليه .. عيني عليه
يمكن صرخ من الألم او لسعة النار فى الحشى
عيني عليه .. عيني عليه
يمكن بكى أو أبتسم او أرتعش أو أنتشى
عيني عليه . عيني عليه
يمكن لفظ آخر نفس كلمة وداع لجل الجياع
يمكن وصية للى حاملين القضية و الصراع
صور كتير ملو الخيال وألف مليون إحتمال
لكن أكيد .. أكيد .. بلا جدال
جيفارا مات موتة رجال
ياشغالين يا محرومين يا مسلسلين رجلين وراس
خلاص خلاص مالكوش خلاص
غير بالقنابل والرصاص
دا منطق العصر السعيد
عصر الزنوج والأمريكان
والكلمة للنار والحديد
والعدل أخرس أو جبان
صرخة جيفارا يا عبيد
فى أى موطن .. أو مكان
مفيش بديل .. مفيش مناص
ياتجهزوا جيش الخلاص
ياتقولوا ع العالم خلاص
أحمد فؤاد نجم
وكانت جيفارا مات هى أو ل منشور ثورى يقرأه الغريب فى الجامعة
من هو أحمد فؤاد نجم ؟ ومن الذى ترك هذه الأوراق تحت النخلة ؟
اسئلة لم يجد الغريب لها إجابة!!!!!!!!!......
ما أجمل هذه القصيدة المنشور....إنها قد طبعت لكي توزع .. لا لكي تلقى تحت هذه النخلة ..
أكيد هناك ظروف إضطرت من طبعها لأن يلقيها هنا تحت النخلة....فكر الغريب قليلا وقال لنفسه :
طالما هذه القصيدة طبعت لكى توزع .. فلماذا لا أقوم بتوزيعها على الطلاب ؟
فكرة جميلة بس ياترى مين أحمد فؤاد نجم؟ ...مش مهم .. المهم توزيع القصيدة ..
اخذ الغريب رزمة الأوراق بين كتبه وذهب إلى كلية الهندسة .. ودخل إلى المدرج وقبل أن تبدأ المحاضرة ...قام بتوزيع رزمة الأوراق على الطلاب... أخذ يقلبها الطلاب لبضع دقائق ثم أ لقيت القصيدة فوق المدرجات .. وتحت الأقدام .. وبدأت المحاضرة .
حزن الغريب على هؤلاء الطلاب ...مساكين فهم لم يحضروا ندوات الدكتور أنيس....
وأكيد ما يعرفوش حاجة عن جيفارا .
خرج الغريب من وسط المحاضرة ومن الباب الخلفى... خرج حزينا يجر أقدامه .. لكن فى هذه المرة لم يخرج إلى مظاهرة كالمرة السابقة..... خرج يأسا من الطلاب ومن كلية الهندسة.... ذاهبا إلى حيه مدرسته الحقيقية ...
الشئ المفقود داخل الجامعة وجده الغريب تحت نخلة... وقصيدة يجهل أسم صاحبها ......
أحمد فؤاد نجم هل هو طالب بالجامعة ؟!
عرف الغريب جيفارا .. لكنه لم يعرف نجم ...كلما مر الغريب أمام النخلة بالحرم الجامعي .. يدقق اسفلها لعله يجد رزمة ثانية !!!
"أيتها النخلة العالية الغالية ..هزى بجذعك... الغريب جائع... يشتاق لرطبك الجنى...رطب نجم وجيفارا"..........

الحلقة القادمة : الخلقة السادسة : المهزلة الارضية و جمهورية فرفوريا العظمى

ليست هناك تعليقات:

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة