الجمعة، 5 فبراير، 2010

الحلقه السابعه : من إعتصام كلية الهندسة الى الكعكه الحجريه


أربعة أيام متواصلة (السبت/ الأحد/ الاثنين/ الثلاثاء) من العاشرة صباحًا حتى الخامسة مساءًا حلقات نقاش متواصلة في جميع الكليات بجميع الجامعات حول حالة اللا سلم واللا حرب .................................

خطاب السادات يوم الخميس (10 يناير 1972) وحكاية الضباب الهندي الباكستاني كانا الشرارة المفجرة لإنتفاضة الطلاب.....................

مرارة هزيمة يونيو 1967، البقاء في الخدمة العسكرية لسنوات طويلة لكل خريجي الجامعة دون أمل في انتهاء حالة اللا سلم واللا حرب، ديكتاتورية الحزب الأوحد وسيطرته على الحياة السياسية في البلاد، غياب الحقائق وانعدام حرية الصحافة, وأمينًا عامًا للإتحاد "الإشتراكي" هو أحد كبار ملاك الأرض، والإحساس العام بأن البلد دي مش ملك ناسها كل ذلك كان بمثابة العوامل الموضوعية المفجرة لإنتفاضة الطلاب........................

كان هناك فرق جوهري بين إ نتفاضة الطلاب في عام 1968، 69 وإ نتفاضتهم في أعوام 72، 73...

في الأولى كان التحرك سريعًا نحو الشارع والخروج بالمظاهرات.... أما في الثانية فإن الخروج إلى الشارع كان يتم عقب تجهيز طويل نسبيًا بالندوات والمؤتمرات ومجلات الحائط وحلقات النقاش وإصدار البيانات والاعتصامات... لقد أستخدم الطلاب المكسب الوحيد الذي انتزعوه في أعوام 68، 69 (وهو إنتزاع حرية إصدار مجلات الحائط وحرية تشكيل الأسر والجماعات) إستخدامًا جيدًا في التعبئة الجماهيرية وتنظيم الصفوف قبل الخروج إلى الشارع....................................................................

كان المقال الذي فجر حلقات النقاش في كلية الهندسة جامعة القاهرة بعنوان:

"ليتك لم تتحدث يا سيادة الرئيس"..... كتبه أحد الطلاب والذي لم يكن ينتمي إلى أي أسرة أو جماعة سياسية بالكلية... ولم يكن أيضًا من كتاب مجلات الحائط المنتظمين والمداومين على الكتابة... كان طالبًا عاديًا بكل معنى الكلمة... لم يكن من قيادات الطلاب أعوام 68، 69 وما بعدها... وأيضًا لم يكن من قيادات الطلاب في حركة السبعينيات... سطر هذا الشاب الجميل مقاله في أكثر من عشرين صفحة فولسكاب بقلم من الفولماستر... وبالدبابيس علق المقال ....حيث كانت هناك كتلة ضخمة من الطلاب تلتف حول قرأة المقال ...

لم يكونوا بالعشرات بل كانوا بالمئات وأغلبهم أيضًا من جمهور الطلاب الذي لم يظهر أمام حلفات النقاش والمعارض التي كانت تنظمها جماعة أنصار الثورة الفلسطينية وجماعة جواد حسني بالكلية (والتي كانتا تضمًا معظم الطلاب اليساريين بالكلية)... وكان الزحام حول هذا المقال في حالة أشبه بالزحام على الجمعيات التعاونية أو على أفران الخبز....وكان بداية لتوافد المئات لساحة الكلية...

في الماضي كان يمكن أن ترى كل يوم خمسة حلقات نقاش أمام مجلات الحائط وكل حلقة تضم حوالي 10 – 15 طالب... أما في هذه الأيام الأربعة كان من الممكن أن تشاهد أكثر من خمسة عشر حلقة وكل حلقة تضمن أكثر من مائة طالب وطالبة... الجميع يتحدثون في كل شيء... أزدهر فناء الكلية بمجلات الحائط القديمة والجديدة... والكل يطرح نفس التساؤلات:

إلى متى تستمر حالة اللا سلم واللا حرب؟

ما معنى الضباب الهندي الباكستاني الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية؟

ما مدى حجم المساعدات التي يقدمها الإتحاد السوفيتي للجيش المصري؟

هل الخبراء السوفيت بمثابة احتلال؟

كيف تكون هناك حرية صحافة ونجد كل صباح ثلاث جرائد متشابهه الأهرام، والأخبار، والجمهورية؟

سيد مرعي أمين عام الاتحاد الاشتراكي كيف يكون اشتراكيًا وهو من كبار ملاك الأرض؟

هل انتحر عبد الحكيم عامر أم مات مقتولاً؟...

قال السادات العام الماضي أن هذا العام عام الحسم لحالة اللا سلم واللا حرب واليوم يقول لنا بسبب الحرب بين الهند وباكستان أن هناك ضبابًا؟!!

هية البلد دي بلدنا... وألا بلد مين بالضبط؟

أخواتنا اللي أستشهدوا في 1967 وفي معارك الاستنزاف 1969 دمهم راح هدر!!! أستشهدوا بلا ثمن!!!

ودار الأوبرا أتحرقت وقالوا ماس كهربائي... وكل يوم حريقة في حته ثانية وبرضه الماس الكهربائي!!!

كيلو اللحمة بقى بجنيه!!!

وسيد مرعي بيسمحوا له يبيع البطيخ اللي بيزرعه قبل ما تتحدد تسعيرة البطيخ علشان يضاعف أرباحه...

طبعًا ما هو أمين الاتحاد الاشتراكي!! والقرع مزروع في كل حتة في البلد...

إذا كان مجلس الأمة "اللي عاملينه همه" أتغير أسمه من مجلس أمة إلى مجلس شعب بتصريح رئاسى"!!!

يا عم دا مجلس قرع وكوسة.. مجلس تصفيق وموافقون!!!.........................

وكما كان خطاب السادات هو المفجر الذي أدى لهذه التجمعات والنقاشات الطلابية ....والتي لم تكن في كلية هندسة القاهرة فقط بل في كل الجامعات تقريبًا......................................................

فإن السيد/ كمال أبو المجد وكان وقتها (أمين عام منظمة الشباب الاشتراكي) هو مفجر اعتصام طلاب هندسة القاهرة... فحينما حضر إلى مدرج الساوي (أضخم مدرج بالكلية)..... وإستمع إلى تساؤلات الطلاب وأرائهم

لم تكن لديه أية إجابة... ولم يكن لديه سوى جملة واحدة:

سأنقل وجهة نظركم للجهات العليا وللقيادة والسياسية..

فواجهه أحد الطلاب من قلب كتلة لا تقل عن ثلاثة آلاف طالب غير المحتشدين خارج المدرج... كيف لا تمتلك أي إجابة أو نصف إجابة على تساؤلات الطلاب وأنت أمين عام منظمة الشباب...

إننا نقول لك: إننا معتصمون هنا في هذا المدرج حتى تأتي إلينا بالإجابة والرد من القيادة السياسية العليا... صفق الطلاب المحتشدون... وخرج أمين الشباب مهرولاً من المدرج... وبدأ الطلاب في الاعتصام بعد أن تم التصويت على قرار الاعتصام... وكان التصويت بإجماع الطلاب (أكثر من ثلاثة آلاف طالب),,,, ما عدا مندوب الجماعة الاسلامية الذي أعلن رفضه للاعتصام على إستحياء وخجل.

بدأ الطلاب في تشكيل ثلاث لجان للاعتصام:

لجنة إعاشة... لجنة دعاية وإعلان... لجنة نظام و اتصالات بالكليات الأخرى.

جمعت التبرعات لشراء سندوتشات العشاء (فول وطعمية وبطاطس)، وتم خلال ساعة واحدة عمل لافتة من القماش كتب عليها بالخط العريض:.....................................................

"اعتصام مفتوح لطلاب كلية الهندسة جامعة القاهرة"

تم تعليق اللافتة على الباب الرئيسي لكلية الهندسة لإعلام باقي طلاب الكليات الأخرى.. بدأنا في المساء بالكتابة بالخط العريض بالحجرالجيري على أرصفة الأسفلت بكافة الشوارع المحيطة بالكليةوحول صينية النصب التذكارى

معتصمون...آل أية مجلس أمة... واللي عاملينه همه...

أنور أنور يا سادات هيه فين الحريات... عايزين نعرف إيه حكاية الضباب الهندي الباكستاني... ليتك لم تتحدث يا سيادة الرئيس... أمين منظمة الشباب بوسطجي لا أكثر ولا أقل...

أنا وبعض الشباب من حيّ داير الناحية كتبنا بالخط العريض الأبيض على الإسفلت بالطباشير:

(فلترفع أجور العمال)... جاء إلينا أحد القيادات الطلابية المسيسة ومسح ما كتبناه قائلاً:

"لا.. دي شعارات طبقية... أحنا حركة طلابية ديمقراطية... خللوا الشعارات وطنية ديمقراطية..."

غاظنا ما قاله... وأستئنا من تصرفه... قلنا له: "أحنا نكتب اللي يعجبنا مش اللي يعجبك... أكتب ما تريد... وسنكتب ما نريد"

ذهبنا إلى أحد المحلات في بين السرايات وأشترينا علبة من بوية اللاكيه الحمراء وفرشاه عريضة وعدنا إلى ساحة الجامعة وكتبنا بالخط العريض على الإسفلت:

"فلترتفع أجور العمال... والإفراج عن عمال حلوان" والمقصود كان عمال الحديد والصلب الذين أضربوا عن العمل عن 1971 وتم إعتقالهم..... ولم نكن نعرف إن كان أفرج عنهم أم لا؟.

ولما جاء هذا المسيس الطلابي عجز عن مسح الشعار فلقد جف اللاكيه على الأرض...

"أبن الحارة... لا يمكن أن يكون وسط الطلاب وطنيًا ديمقراطيًا وفقط... هذا ما أدركناه وقتها بوعينا الفطري... وعيّ البؤس والفقر في حينا"...

هاجم "موسي صبري" صحفي النظام إعتصام طلبة كلية الهندسة في جرائد الحكومة ووصفنا بـ "القلة المنحرفة" "والملونيين".... ووصف القاعدة الطلابية"بالقاعدة السليمة"... ثم جاء بعدها ليتناقش مع الطلاب... طردناه من على باب كلية الهندسة... قلنا له: "أذهب أولاً... صحح ما كتبته على صفحات جريدتك الحكومية... ثم تعال لنتناقش... كيف تشتمنا وتشوه صورتنا أمام الشعب ثم تأتي للنقاش؟... في الماضي قد قلت:

"نعم أطبل وأرمز للسادات" فأذهب لمواصلة الطبل والزمر بعيدًا عن أدمغتنا"...

أستمر الاعتصام ليلة الثلاثاء ويوم الأربعاء... وفي مساء يوم الأربعاء حضر إلينا وفد من طلاب الكليات المختلفة بجامعة القاهرة... قال رئيس الوفد وزهرة شباب الحركة الطلابية والذي لم يكن يعرفه أحد وقتها والذي أصبح فيما بعد رئيس اللجنة الوطنية العليا للطلاب... تحدث أحمد عبد الله قائلاً بصوته المهيب والجليل:

"أنا زميلكم بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية... لقد اتفقنا جميعًا وبعد مشاورات طويلة دخل الحرم الجامعي والتي ضمت إناس من كليات مختلفة كماضمت زملائكم من لجنة الاتصالات بالإعتصام:

على نقل الاعتصام من كلية الهندسة إلى الحرم الجامعي... وفي صباح الخميس غدًا سندخل جميعًا قاعة الإحتفالات الكبرى لجامعة القاهرة من أجل توحيد الاعتصام ليصبح إعتصام طلاب جامعة القاهرة بدلاً من اعتصام طلاب هندسة القاهرة"....

قوبلت هذه الكلمات بالتصفيق والترحيب من الآلاف من طلاب كلية الهندسة وواصل أحمد عبد الله كلماته:

"ولقد اتفقنا أيضًا على أن يقوم طلاب كل كلية بإنتخاب خمسة طلاب إنتخابًا حرًا مباشرًا.... ليكون هؤلاء الخمسة هم اللجنة الوطنية للكلية...... على أن ينتخب الخمسة واحدًا من بينهم ليكون ممثلاً عن الكلية في اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة ......والتي ستتكون من المندوبين المنتخبين عن جميع الكليات".

أنصرف أحمد عبد الله... وعقدنا مؤتمرًا ضخمًا لجميع المعتصمين بالكلية... قمنا بانتخاب اللجنة الوطنية لطلاب كلية الهندسة"... وكانوا الخمسة كما يلي:

1- أحمد بهاء الدين شعبان 2- سهام صبري 3- محمد أبو الوفا

1- طالب (لا أتذكره أسمه لعب دورًا بارزًا في الاعتصام... وكان هذا الطالب هو الذي أعلن الاعتصام في وجه كمال أبو المجد).............5-كمال خليل.

وتم انتخاب أحمد بهاء الدين شعبان لكي يمثل كلية الهندسة في اللجنة العليا الوطنية لطلاب جامعة القاهرة.

وفي صباح يوم الخميس 17/1/ 1972 زحف الطلاب كالنمل على قاعة الإحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة...

تم إحتلال القاعة بجميع أدوارها... شكلنا اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة... عرفنا بعد ذلك أن نفس الشيء حدث بجامعة عين شمس... شكلنا نفس الثلاث لجان السابقة:

لجنة الدعاية والإعلام... لجنة الإعاشة... لجنة النظام والاتصالات....

قمنا بإحتلال مطابع جامعة القاهرة... إستولينا على بدروم قاعة الاحتفالات الكبرى حيث توجد به جميع ماكينات الطباعة وأيضًا توجد الآلاف من رزم ورق الطباعة والأحبار... دارت ماكينات الطباعة بواسطة طلاب من بين جماهير الطلاب كانت لهم دراية بأعمال الطباعة (أكيد ولاد حواري زي حالاتنا... كان يعملون بالمطابع لمساعدة أسرهم)... ومنذ هذه اللحظة أصبح الإعتصام إعتصام جامعة القاهرة بعد أن كان شرارته من طلاب هندسةالقاهرة.




إعتصام جامعة القاهرة والكعكة الحجرية

مطبعة الجامعة التي جرى إحتلالها سلميًا من قبل الطلاب، أخذ الطلاب يطبعون عليها منشورات سريعة :

تعلن عن اعتصام الطلاب بجامعة القاهرة وتوحد الطلاب في إعتصامًا واحدًا.... وتدعو إلى الانضمام للإعتصام... وتعلن عن تشكيل اللجنة الوطنية العليا للطلاب واللجان الوطنية بالكليات....

وكان يتم توزيع هذه البيانات على كافة المناطق المجاورة من حي بين السرايات وحي أبي قناته ومدرسة السعيدية وكليات الزراعة والطب البيطري البعيدة عن الحرم الجامعي وحي الجيزة الشعبي... توافد كثير من المثقفين والشعراء من خارج الجامعة على قاعة الاحتفالات... العشرات من حلقات النقاش بكل طرقه وردهة من الجامعة... شعارات على الإسفلت... لافتات من القماش...

نقل الاعتصام من كلية الهندسة إلى الحرم الجامعي أعطاه قوة دفع هائلة.. كل كلية انتخبت لجنتها الوطنية وأنتخب ممثلها في اللجنة الوطنية العليا... تميزت مجلات الحائط بالجمل القصيرة المختصرة أو الكاريكاتير... والخبر السريع الذي يدعم الاعتصام...

مازال يعلق بالذاكرة.. نصف فرخ من الورق كتب عليه بالخط العريض "السادات مخلص.. مخ... لص"... وآخر "العسكري مظلوم في الجيش... يا كل عدس ويلبس خيش" وآخر "سرقوا الكستور م العريانين... سرقوا الدواء م العيانين... هنحارب أمتى مش عارفين..." وأخر "ما تفرحنيش بكربري... والعدو بيبني قبري... أنا مش عايز كباري... أنا عايز عود لدواري" توقيع شاب من السويس (وكان في هذا الوقت قد بدأت موضة الكباري العلوية)...

وآخر "يا مصر.. الوالي بيغشك.. عينه على قرشك... عينه على فرشك..."

كانت مجلات عبقرية متميزة... كلمات مختصرة بسيطة تعبر إلى الهدف والمعنى.... إختفت المقالات الطويلة والتي تميل إلى التحليل... الوقت وقت إ نتفاضة... خير الكلام هنا ما قل ودل.

طوال أيام الخميس والجمعة والسبت تقريبًا كان هناك نقاش طويل أعلنت عنه اللجنة الوطنية العليا من أجل صياغة "وثيقة الحركة الطلابية"... كان النقاش ديمقراطيًا... والمنصة مفتوحة لكل من يرغب في الكلام وعرض وجهة نظره... أيضًا تم الإستيلاء على الإذاعة ومكبرات الصوت وإدارتها بشكل جيد حتى لا يتم تخريب المؤتمر المنعقد بشكل مستمر بالقاعة.... ويحضره بالداخل أكثر من سبعة آلاف طالب.. كان عرسًا ديمقراطيًا...

في الإضرابات والاعتصامات يكون للجماهير قوتها وإبداعها...شيئا عظيمًا لا تحسه إلا وأنت بينهم..

تقريبًا في يوم الأحد ثم قراءة إقتراح بوثيقة الحركة الطلابية... صاغته اللجنة الوطنية العليا تتويجًا لنقاش الأيام السابقة.... أخذ التصويت على الوثيقة وتم الموافقة عليها بإجماع الطلاب.... لأنها عبرت عن روح النقاش الذي دار... تم طباعة الوثيقة ببدروم القاعة وبكميات هائلة... وتم توزيعها على جميع طلاب الجامعة وعلى جميع المناطق المحيطة بالجامعة.... وتم توصيلها لجمع صحف الحكومة والتي أمتنعت عن نشرها... تشكل وفد من اللجنة العليا للطلاب لمقابلة رئيس الجامعة وقتها( دكتور/ حسن إسماعيل: أستاذ الهيدروليكا بكلية هندسة القاهرة).. وكان رجلاً شديد الإحترام... فبعد أن قرأ الوثيقة التي حوت تساؤلات ومطالب الطلاب لم يكتفي بموافقته عليها... بل أصدر بيانًا موقعًا بتوقيعه كرئيس للجامعة بتأييد مطالب الطلاب وتساؤلاتهم المشروعة... وأخذ الطلاب بيان رئيس الجامعة وطبعوه ووزعوه بنفس طريقة توزيع الوثيقة الطلابية...

"سلام مربع للطلاب".....

وفي إعتصام طلاب الجامعة يبرز الفارس والشاعر زين العابدين فؤاد بقصائد الثورة الجميلة:

"أحنا المساجين المساجين... أحنا ولاد مصر الجايين.....

أحنا أخوات الشهداء.. أحنا الشهداء الجايين...

أخواتنا ماتوا على الكباري... وإحنا ولاد نفس الحواري..."

"وعرابي لما أنكسر على الحصان... ما أنهدت الخيل.. ولا قلت الفرسان"

وتبرز أسماء كالقمر في سماء الجامعة والمجتمع... "أحمد عبد الله رزة" و"سهام صبري" قائدان جماهيريان حينما يتحدث أى منهما في قاعة الجامعة ينصت إليهم الجميع... (بجد لو رميت إبرة تسمع رنتها)... إحساس عالي بالبشر... صدق في الكلمات... تتعلم منهما يا من تريد أن تتعلم.. تتعلم فن التحريض... وفن المخاطبة...

ويبرز أبناء الحركة الطلابية كالورد المفتح في جناين مصر:

"أحمد بهاء شعبان – سمير غطاس – شوقي الكردي – محمد الشبه – محمد توفيق – أحمد شرف الدين،

شاكرعرفة – العليمي الخ"

بدأ الاعتصام في صباح يوم الخميس 17/ 1 / 1972 وتم فضه بالقوة الجبرية في فجر يوم الخميس 24 يناير 1972... سبعة أيام هزت مصر كلها... كانت بمثابة عودة الروح... ظللنا من صباح الخميس حتى الثلاثاء تقريبًا نردد كلمة واحدة قاعة ومنصة:

"لن نفض الاعتصام إلا بشرط واحد هو مجيء رئيس الجمهورية هنا إلى القاعة للإجابة عن التساؤلات الطلابية وتلبية المطالب"...

لم تكن هناك خبرة كافية فقد كنا شبابًا في سن العشرين والثلاثة والعشرين عامًا... طبعًا كان هذا شرطًا مستحيلاً... لكن هذا الشرط أطال من عمر الاعتصام وهذا شيء جيد... في صباح الأربعاء عرض على اللجنة الوطنية العليا عرضًا بإرسال وفود من الطلاب لمناقشة أعضاء مجلس الشعب في مطالبهم... أستجابت اللجنة لهذا العرض وطرحته للمناقشة فلاقي ترحيبًا من جماهير الطلاب... وجهزت إدارة الجامعة عدة أتوبيسات لنقل وفود الطلاب إلى مجلس الشعب.. حرصًا على أن يكون الوفد كبيرًا.. فقد كان الوفد يضم كل لجنة وطنية تم إنتخابها من كل كلية (يعني خمسة طلاب من كل كلية)... ركبنا الأتوبيسات (اللجان الوطنية بالكليات مع اللجنة العليا) وظل الاعتصام قائمًا... ذهبنا إلى مجلس الشعب بشارع القصر العيني... دخلنا إلى قاعة مجلس القرع والكوسة.... وكان رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت هو الدكتور جمال العطيفي... ودارت مناقشات حامية بين قادة الطلاب وبين أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا يتحدثون بلغة رجال السلطة وحراسها... بينما الطلاب كانوا يتحدثون بلغة الوثيقة الطلابية وضمير الشعب ... أنتزع المتحدثون من قيادات الطلاب التصفيق الحاد حتى من كتلة النواب التي حضرت اللقاء... برز دور أحمد عبد الله وسهام صبري فى هذا اللقاء.... وإنتهى النقاش بطلب متواضع من الطلاب:

"نحن مستعدون لفض الاعتصام فورًا... إذا أخذنا وعدا بنشر الوثيقة الطلابية في الجرايد الحكومية... حتى يعرف الشعب مطالبنا والتي ليست مطالب فئوية للطلاب وإنما هى مطالب عامة تخص المواطنين جميعًا عن حالة اللا سلم واللا حرب وحرية الصحافة والإفراج من المعتدلين... الخ"

صفق رئيس مجلس الشعب والحاضرون معه من النواب... وعدونا بنشر الوثيقة الطلابية في جرائد الصباح... بل زادوا على ذلك وسنذيع نص الوثيقة في نشرة أخبار الحادية عشرة مساءًا.... وقالوا لنا: أتركوا وفدا منكم من ثلاثة أشخاص لكي يرسل الوثيقة للإذاعة ولرؤساء تحرير الصحف...

أنتهى الإجتماع... صفقوا لنا... وصفقنا لهم... وأعتبرنا إننا وصلنا إلى حل مُرضي...تركنا معهم ثلاثة من زملائنا في اللجنة الوطنية العليا من بينهم رئيس اللجنة... رجعنا في الاتوبيسات إلى الجامعة والاعتصام..... (لم نكن نعرف أن هناك خديعة... وثقنا فيهم حينما صفقوا لنا... لم نكن ندري أن لهذه السلطة مخالب شرسة وأن أعضاء مجلس الشعب كانوا أمامنا أظافر ناعمة...)

أعلنا لجميع الطلاب المعتصمين (وكنا في حوالي الساعة العاشرة مساءًا... وكان المعتصمون بالآلاف) ما توصلنا إليه مع أعضاء مجلس الشعب ووعودهم بنشر الوثيقة الطلابية في الصحافة والإذاعة...

أعتبر الطلاب المعتصمون ذلك نصرًا هائلاً بأن تصل مطالبنا للشعب... أعلنا عدم فض الإعتصام إلا بعد حضور زملائنا الثلاثة... أنصرف عدد هائل من المعتصمين... لم يتبقى بالقاعة غير ألف طالب... والذين أنصرفوا اعتقدوا أن الاعتصام حقق نتائجه... فتحنا المذياع على صوت القاهرة... في انتظار نشرة الحادية عشرة... لنستمع للوثيقة الطلابيةحين تذاع ... نشرة عادية كجميع النشرات المملة التي تعودنا عليها... لا شيء عن الوثيقة الطلابية... ولا شيء عن لقاء اللجان الوطنية بأعضاء مجلس الشعب... ولا شيء عن الوفد الذي لديهم... إنها بداية إكتشاف الخديعة... في البداية أتجه تفكيرنا في أنهم اعتقلوا زملاءنا الثلاثة لديهم.. لكن بعد وقت قليل حضر الزملاء الثلاثة... وأعلن أحمد عبد الله لبقية المعتصمين:

إنه عقب إنصراف زملاءنا... قال لنا أعضاء مجلس الشعب ورئيسهم:

ليس أمامكم إلا أن تعودوا وتعلنوا فض الاعتصام!!! والوثيقة لن تنشر في صحف ولن تذاع في إذاعة!!! لقد كانت خديعة...

ولقد كان هدف السلطة من هذه المناورة هو كسب الوقت فعيد الأضحى المبارك على الأبواب خلال أيام قادمة... كان الغيظ يملأ الجميع... آه يا بلد الكدابيين.... افترشنا الأرض في طرقات القاعة... لم يكن أمامنا سوى انتظار مجيء زملائنا في الصباح (الذين أنصرفوا إلى منازلهم بعد أن أعتقدوا أن الإعتصام قد حقق أغراضه) لعرض الأمر عليهم وإتخاذ قرار موحد.. لم نكن ندرك أن لهذه السلطة أنياب... ولم يفكر أحد منا في أن قوات الأمن المركزي تستعد لاقتحام الجامعة وفض الاعتصام بالقوة!!!

رحنا في نوم عميق... كانت هذه الليلة باردة.... كنا ننام على الأرض ونفرد السجاجيد كبطاطين فوقنا لتلافي برد الشتاء... كانت الليلة هي فجر 24 يناير 1972...

وفجأة جاءت مجموعة من فرق الحراسة والنظام من الطلاب... والتي كانت تراقب بوابات الجامعة......... ثلاثة زملاء يصرخون بأعلى صوتهم:

أصحوا يا زملاء... مجنزرة ضخمة بتقتحم باب الجامعة... قفلنا باب الجامعة بالجنزير... لكن المجنزرة تقتحم الباب الآن وخلفها المئات من جنود الأمن المركزي... أخذنا نصحو من النوم... وكل طالب يهز زميله لكي يصحو.. أصحي.. أصحي... الأمن المركزي يقتحم الجامعة.. وقفنا جميعًا في القاعة... ونحن نشاهد العديد من طوابير الأمن المركزي المدججين بالبنادق والرشاشات يقتحمون طرقات القاعة في صيحات همجية...

وقفت على قدماي.. في هذه المرة كنت أرتعش من البرد ومن الخوف أيضًا... إنها معركة حربية... طلاب عزل في مواجهة جحافل مسلحة... (عملتوا إيه في الدنيا دي... آه يا ولادي).. صرخ بعض الطلاب: لا بد أن نقاوم.. لن نستسلم.. أحضروا بعض الشوم والفئوس من مخزن لمعدات الدفاع المدني ببدروم القاعة.. دخل ضابط جنرال برتبة حمار... يعلن أنه العقيد أو العميد الفولي من خلال مكبر الصوت:

"كله يسلم نفسه... كل واحد يرفع أيديه الاثنين لفوق... وتخرجوا من القاعة في طابور فردي... أوعدكم بشرفي أنكم هاتروحوا حالاً على بيوتكم... الأوامر عندي من أعلى الجهات بفض الاعتصام..."

وهنا أمسك زعيمنا وقائدنا أحمد عبد الله رزة ميكرفون المنصة وألقى أجمل الكلمات في الطلاب:

"أيها الشباب... لن نقاوم... ألقوا العصى والفئوس القليلة على الأرض... القوة غير متكافئة... نحن عزل وهم مدججون بالسلاح... نحن أصحاب كلمة وقلم وفكر... نحن أصحاب مبادئ... معركتنا مستمرة معهم... سنراهن على جماهير الطلاب وعلى الحركة الطلابية... قد نستسلم لهم في هذه اللحظة أمام جحافل قواتهم... لكن الحركة الطلابية لن تستسلم ولن تلين... العقيد الفولي... نقول لك لا تحلف بشرفك... لأن أحنا عارفين كويس أنك معندكش شرف... لا أنت ولا السلطات العليا اللي أعطت الأوامر بإقتحام الحرم الجامعي... لو كان عندهم شرف كانوا نفذوا الإتفاق معاهم بنشر وثيقة الطلاب على الرأي العام!!!

"أخواني الطلبة... مشوارنا لسة في أوله... ومادام بدأنا نكمله..."

ورفع أحمد عبد الله يديه إلى أعلى ليشكل أول طابور للمعتقلين... خرجنا جميعًا رافعين الأيدي والرؤوس... وسط الجنود المدججين بالسلاح... خرجنا من القاعة إلى الحرم الجامعي في طابور فردي طويل وشابورة الصباح تملأ المكان... وفجأة أنطلق وبدون ترتيب من أحد وبشكل تلقائي صفير بالفم من أحد الطلاب أتبعه الجميع... نغمة الصفير تنطلق من بين شفاة الألف معتقل... تغرد:

"بلادي... بلادي.. بلادي... لك حبي وفؤادي..."

لم يكن سيد درويش يدرك حينما خلق هذا اللحن الجميل أن ذلك اللحن وعلى نغماته سوف يحشر الطلاب المعتقلين كل 40 فرد في عربة أمن مركزي... وما زالت الشبورة قائمة... ما زال الصفير مستمرًا داخل العربات... خمسة وعشرون عربة تسير في طابور طويل... منطلقة من أمام باب الجامعة إلى تمثال نهضة مصر إلى كوبري الجامعة إلى شارع صلاح سالم إلى معسكر أمن مركزي بالدراسة... طوال الطريق.. لم ينقطع نغمة الصفير "بلادي... بلادي".......... لم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبين؟ بشكل عام نعرف إننا ذاهبون وراء الشمس......... دخلنا إلى أحد إسطبلات الخيول في معسكر الدراسة... مكان فسيح حشرنا فيه ورائحة الروث تنبعث من المكان... والأسطبل له حائط خارجي تتخلله عدة شبابيك .. وعلى كل شباك من الخارج يقف عليه عدد من الجنود مدجيين بالسلاح للحراسة... الشيء الوحيد الذي كنا نعرفه وقت أن وصلنا لمعسكر الأمن المركزي هذا...... أن العقيد الفولي ليس عنده شرف...كانت كلماته ترن في أذن الجميع :

"بشرفي كلكم مروحين حالاً لبيوتكم"!!!

جلسنا في مجموعات متجاورة.. طلبة وطالبات نتجاذب أطراف الحديث... كان السؤال المطروح في ذهن كل منا: ماذا سيفعل زملاؤنا حينما يذهبون إلى الجامعة ويعرفون أننا أعتقلنا في الفجر؟... هل سيتحركون؟!!.. هل سيخافون؟!!... في هذه الليلة لم ننم... في التاسعة صباحًا حضر إلينا أحد الجنرالات بزي مدني وأخذ يحدثنا: "الجامعة فتحت صباح اليوم... الدراسة منتظمة بالجامعة... القاعدة الطلابية سليمة... وأنتوا فعلاً مظلومين... أحنا عايزين منكم فقط 30 طالب... همه المشاغبين... وبعد كده كل واحد هيروح لبيته... وعلى فكرة كل اللي كانوا معتصمين معاكم منتظمين في الدراسة!!!!"

ثم قرأ علينا أسماء الثلاثين المطلوبين... عقب هذه الكلمات أمسكنا جميعًا بأيدي بعض... جعلنا الثلاثين مشاغبًا في وسط الدائرة... أحطناهم كحائط صد... خرج الهتاف الشهير:

"يا نعيش سوا... يا نموت سوا"

... يهز أركان الأسطبل... وأخرج سمير غطاس من جيبه كتيب صغير كان هو نص الدستور المصري وأخذ يقرأ بسخرية:

"حرية الرأي مكفولة للجميع!!! لا يجوز اعتقال مواطن بسبب أرائه ومعتقداته السياسية!!!......... الخ"

لم يستطيعوا أن ينتزعوا طالبًا واحدًا من بين الألف طالب.... تشابكت السواعد... وشكل الألف طالب سلسلة بشرية متصلة... من حين لآخر كان بعضنا يذهب للعساكر على الشبابيك نسألهم:

هل توجد مظاهرات بالخارج؟... وكانت الإجابة جاهزة: الأمور عادية ومفيش أية مظاهرات...

في الواحدة ظهرًا شاهدنا من الشباك أحد الجنود مصابًا ومحمولاً من زملائه وكانوا قادمين به من الخارج لداخل المعسكر...سمعنا أحد الجنود يقول لزميله:

يا عم تعال شيل معايا... المظاهرات مولعة الدنيا برة... المظاهرات وصلت لميدان التحرير.... سرى الخبر كالهشيم وسط الألف معتقل.. تعالت الهتافات:-

"حركة طلابية واحدة... وكلنا يد واحدة.. يا نعيش سوا... يا نموت سوا..."...

استنتجنا إن الستة آلاف طالب الذين غادروا الاعتصام بالأمس على أن الاعتصام حقق أغراضه... قد تحركوا حينما جاءوا في الصباح... وعرفوا أنه تم إعتقالنا في الفجر...

والذي حدث ولم نكن نعرفه أنه بعد إعتقالنا ظهرت جرائد الصباح وطبعًا ليس بها وثيقة الطلاب... وإنما تحتوي على خبر إغلاق الجامعات المصرية لمدة شهر... وأحيطت الجامعة بقوات ضخمة من الجنود لمنع الطلاب من دخول الجامعة ومواصلة الاعتصام... ولما تجمع الطلاب خارج الكردونات العسكرية التي تمنعهم من دخول الجامعة أنطلقوا بالمظاهرات نحو ميدان التحرير... وتم نقل الإعتصام من جامعة القاهرة أو عين شمس إلى ميدان التحرير..... وشكل إعتصامهم كعكعة حجرية من البشر تلف صينية ميدان التحرير...

وكانت أيام الأربعاء والخميس والجمعة(24 ,25, 26 يناير 1972 ) من الأيام الجميلة في تاريخ شعبنا بميدان التحرير... لكننا كنا في هذه الأيام الحلوة داخل الاسطبل خلف الأسوار... لكن قلوبنا كانت في التحرير... واصحى أصحى يا جماهير... ورد بلادك في التحرير...

عند المغرب جاء إلينا الجنرال الكداب مرة ثانية... وأعترف في حديثه بأن هناك مظاهرات من أجلنا في ميدان التحرير... وأنه صدر قرار بالإفراج عنا... تم تجميعنا في الـ 25 عربة أمن مركزي مرة ثانية.. كل 40 في عربة.... سارت العربات إلى مبنى مكون من عدة طوابق يحيط به فناء.. عرفنا بعد ذلك أنه معهد أمناء الشرطة بمنطقة سجون طره...

كل 40 طالب أدخلوا في عنبر من عنابر المبني بأحد الطوابق... كل عنبر به أسرة نظيفة... أحضروا لنا طعام من مربى وعسل نحل وبيض وجبن... أعتبرنا أن ذلك من مقدمات الإفراج (أسرة وطعام جيد)...... وكان الأمر كذلك...... لكن أمورهم دائمًا لا تخلو من خديعة... لماذا تم نقلنا من الإسطبل إلى عنابر معهد أمناء الشرطة؟

في الإسطبل تشابكت الأيادي وكون الألف معتقل سلسلة بشرية لم يتمكنوا من خلالها انتزاع الثلاثين طالبًا... (كان بالطبع يمكن إنتزاعهم بالقوة.... ولكن بمعركة سوف يسقط فيها ضحايا من الطرفين)...

أما في معهد أمناء الشرطة والذي يتكون تقريبًا من سبعة طوابق...فإنه تم تفريقنا على مجموعات متباعدة ليسهل عليهم إنتزاع الثلاثين من بيننا...

جلسنا نأكل الطعام بعد يوم من العناء الطويل... وهنا سمعنا صوتًا جميلاً من الطلاب وقف يغني على شباك أحد العنابر... توجهنا ناحية الشبابيك... عرفنا أننا في مكان واحد لكننا متفرقين داخل العنابر.... صاح زميلنا:

"ومنين أجيب ناس... لمعاني الكلام يتلوه... الطالب في البلد دي...

لما أتكلم يا ناس أعتقلوه... الحادثة اللي جرت... على شاب مصراوي...

الأسم طالب... لكن في الأصل مصراوي... مواله شعبه... وشعبنا ظلمووووووه.....

وأسترسل في الموال بنفس طريقة محمد رشدي في موال أدهم الشرقاوي لكنه قد قلبه على الطلاب وقال:

"الطالب دخل المعتقل سنة تمنتاشر... وقعد في المعتقل لما بلغ مية وتمنتاشر... وفي السن ده جاله خبر أنور" زعق الطلاب من الشبابيك: أنت عايزنا نعقد هنا 100 سنة كمان.... ورد آخر: وعايز أنور السادات يحكمنا 100 سنة كمان"!!!!!!!!!

"ولم يدرك الطلاب وقتها أن هناك حاكمًا سيأتي ليحكمنا أكثر من ربع قرن و... وياعالم"

كانت ليلة جميلة وكان مصدر جمالها إن زملاءنا يواصلون القضية في الشارع في ميدان التحرير.. وعرفنا أن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام نزلا إلى إعتصام ميدان التحرير......

وهنا فقط عرفت من هو أحمد فؤاد نجم الذى وجدت قصيدته تحت النخلة (رطب نجم ).... وقرأنا بعد ذلك عندما أفرج عن الجميع قصيدة الكعكة الحجرية للشاعر العظيم أمل دنقل... وقرأنا أيضًا البيانات السبعة لإعتصام التحرير... شاهدتها مع من شاركوا في الاعتصام... كان العنوان دائمًا (بيان رقم 1) أو (بيان رقم 5)... وكل بيان لا يزيد عن سبعة سطور تم كتابتها بالورق والكربون... تحوي مطالب سريعة مثل الإفراج عن الطلاب المعتقلين... حرية الصحافة... رفض حالة اللا سلم واللا حرب.....

غنى إمام ونجم مع المعتصمين" جيفارا مات "... الحياة تتفتح... والجسور تتلاحم... وأخرج نجم وإمام قصائد وأغنيات جديدة:

"رجعوا التلامذة... يا عم حمزة للجد تاني... رجعوا التلامذة ورد الجناين"

وكان أشهر الشعارات للطلاب في ميدان التحرير:

"العيد ده مش عيدنا... دا بياكلوا ف لحم أخواتنا... يا نعيش أحرار في بلدنا.... يا نموت ويا أخواتنا"

كنا من حي داير الناحية أربعة طلاب من كلية الهندسة نشارك في الاعتصام: "شاكر عرفة – سمير الشربيني – عبده مصطفى – كمال خليل".... عبده مصطفى شارك طوال أيام الاعتصام وأنصرف في ليلة الخديعة مع الستة آلاف طالب (ليلة اللقاء مع أعضاء مجلس الشعب)...... أما نحن الثلاثة تم إعتقالنا مع الألف طالب... كنا دائمًا نسير خلف بعض... ونحرص على أن نكون في عربة واحدة... وأيضًا حرصنا على أن نكون في عنبر واحد داخل معهد أمناء الشرطة.. كنا نتوقع أن نكون نحن الثلاثة من الثلاثين المطلوبين...

دخل على عنبرنا أحد الضباط ونادي على أسم (محمد توفيق) وأخذوه من بيننا جميعًا، وخرج توفيق وهو ينشد قصيدة محمد درويش:

"وطني يعلمني حديد سلالي.. عنف النور... ورقة المتفائل... ما كنت أعلم أن تحت جلودنا... ميلاد عاصفة... وعرس جدائلي..."

وكان توفيق من أبرع رسامي الكاريكاتير... وكان من أبرز أعضاء جماعة أنصار الثورة الفلسطينية... فقد كان قادرًا على عمل معرضًا كاملاً بالرسومات والأشعار والأفكار عن قضية ما خلال نصف ساعة، وكان يصنعها أمامنا في ساحة الكلية بعدة زجاجات من الحبر ذو الألوان المختلفة وبضعة أخشاب من البوص وقطع قليلة من القطن... كان شخصًا دمثًا رقيقًا تحس فيه بالأخلاص... كان من محافظة الدقهلية... كان فقيرًا فقيرًا... لذلك كنت أحس أنه من أبناء داير الناحية.... واحد من نفس طبقتنا... (أين أنت يا توفيق الآن؟... كم أحبك وأفتقدك)... بعدما أخذوا توفيق... رجع الجنرال ثانية... ونادي: شاكر عرفة... فودعنا شاكر وذهب معهم... أما أنا فكنت متأكدًا أن الجنرال سيعود ثانية... وينادي كمال خليل... لكن ذلك لم يحدث... جلسنا أنا وسمير الشربيني على الأسرة والدموع في عيوننا... لقد أخذوا توفيق ثم شاكر... عرفنا وقتها لماذا فرقونا وتمت تجزئتنا في هذه العنابر اللعينة!!!! لقد اقتطعوا من جسدنا الثلاثين...

وطوال الليل كنا نأخذ أربعين أربعين إلى مبنى في وسط القاهرة عرفنا فيما بعد أنه مبنى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي... في الدور الرابع كان يجلس جنرال مع الأربعين القادمين من معهد أمناء الشرطة ويلقى عليهم نفس الأسطوانة المشروخة:

"القاعدة الطلابية سليمة... فيه مخطط أجنبي ضد مصر... الثلاثين اللي أخذناهم طلعوا عملاء لكوريا الشمالية... وبتوع كيم أيل سونغ... دول مخربين... دول شيوعيين... أنتو ناس وطنيين.. علشان كدة أفرجنا عنكم... ومش في كل مرة بتسلم الجرة... وبصوا بقى لدراستكم وأهاليكم... ولما تتخرجوا أبقوا أعملوا اللي أنتو عايزينه... الطالب طالب علم فقط"

وكنا جميعًا نستقبل تلك الكلمات بإستهجان... ونقول لهم... الثلاثين اللي أتاخدوا مننا أشرف ناس...

وها تشوفوا... بس لما الجامعة تفتح...


الى اللقاء مع الحلقه القادمه : سجن القلعه و الاستئناف

هناك 7 تعليقات:

غير معرف يقول...

يامهنس كمال احييك على نضالك واتمنى ان تستمرحتى ترسى البلد على بر الامان الرابط الخاص بكتاب حكايات من زمن فات لايعمل ياريت تنشطة واتمنى لك الصحة والعافية

eng elnour يقول...

معادلة كلية الهندسة جامعة القاهرة
مركز النور هو المتخصص في تدريس معادلة كلية الهندسة جامعة القاهرة ,عندنا اكبر اساتذة لشرح المواد وهتعرف شكل الامتحان وهيتم تدريبك علي كيفية الاجابة عليه ,يعني لو انت هتقدم في معادلة الهندسة هيبقي لازم تحجز مع مركز النور و هيتم تأهيلك جيدا لأجتياز المعادلة
معادلة كلية الهندسة جامعة القاهرة
للاستفسار والحجز/ 01118585670
http://www.eng-elnour.com/

معادلة هندسة يقول...


معادلة كلية الهندسة
لو انت عاوز تعمل معادلة كلية الهندسة و عاوز مركز متخصص يقدملك أقوى شرح دلوقتى مركز النور بقدم معادلة كلية الهندسة فهو من المراكز المتخصصة و من أفضل المراكز اللى بتقدم شرح لمواد المعادلة هيقوم بشرح المواد افضل الاساتذة هيفهموكوا مواد المعادلة بكل سهولة لغاية لما تتقنوها و تقدروا تجتازو الامتحان بكل يسر
معادلة كلية الهندسة
معادلة كلية الهندسة

اتصل بنا على :01093189974

eng elnour يقول...

كتب معادلة كلية الهندسة
مركز النور هو مركز من اكبر المراكز المتخصصة في معادلة كلية الهندسة ولديه نخبه من المهندسين ومتخصصين فى تدريس مواد معادلة كلية الهندسة و يوفر لكل الطلبة كتب معادلة كلية الهندسة وذلك باشتراكات بسيطة ويساعد مركز النور الطلبة في الحصول علي نتيجة معادلة الهندسة
للاتصال علي 01118585670
http://www.eng-elnour.com/

معادلة هندسة يقول...

تعالى احصل على افضل شرح فى منهج معادلة كلية الهندسة جامعة القاهرة
مع مركز النور افضل مركز يقدم معادلة كلية الهندسة جامعة القاهرة و يقوم بتدريس منهج معادلة افضل الاساتذة خبرة اكثر من 10 سنوات معاهم هتحصل على افضل شرح فى معادلة
www.معادلة-كلية-الهندسة.com/

equation-college-engineering يقول...


معادلة كلية الهندسة

اذا كنت طالب في معادلة كلية الهندسة هذا العام و كل حلمك النجاح و دخول كلية الهندسة
و بتدور علي افضل مركز متخصص ذو خبرة يساعدك في شرح المواد و المذاكرة و يجاوبك علي اي
سؤال يخص المعادلة
نحن مركز النور افضل مركز تعليمي في معادلة كلية الهندسة
مركز النور بيقدم اقوي محاضرات الشرح لجميع مواد معادلة كلية الهندسة
مع افضل الاساتذة و افضل كتب و ملازم الشرح و حل جميع الامتحانات السابقة
اتصل بنا 01093189974- 01118585670 – 01220911562

http://www.equation-college-engineering.com/

eng elnour يقول...





معادلة كلية الهندسة

مركز النور هو مركز معادلة كلية الهندسة لدينا الاساتذة المتخصصة فى تدريس معادلة كلية الهندسة كما اننا نقوم بتوفير كتب وملازم معادلة كلية الهندسة ولدينا ملازم المراجعات النهائية الخاصة بمعادلة كلية الهندسة ونقوم بتدريبك على اهم الاسئلة المتوقعة واسئلة الامتحانات السابقة لكى تضمن الحصول على اعلى الدرجات ونحن نقدم خدماتنا التعليمية بأسعار خاصة لجميع الطلاب
معادلة كلية الهندسة

http://www.eng-elnour.com/

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة